أحسنت إلى ابنتي فأخرجتني من حياتها بعد زواجها!

2026-09-28 01:22:59 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عندي ولدان وبنت وحيدة، ربيتها وعلّمتها وزوّجتها، ورزقها الله طفلة جميلة، فتعلّق قلبي بها تعلقًا لا يوصف، وجميع أفراد الأسرة يعلمون ذلك، ودائمًا أساعد ابنتي بكل ما أستطيع؛ لأن ظروف زوجها صعبة.

ومنذ ثلاثة أشهر، لاحظتُ تغيرًا ملحوظًا في معاملة ابنتي لي، وشعرتُ بأنها تحاول إخراجي من حياتها، وكنتُ أتجاهل تلك التصرفات، ولكنها كانت تتغير كل يوم أكثر، إلى أن أصبح واضحًا لي ما ترغب في تحقيقه.

وفي يوم أخبرني زوجها أنه يريد الانتقال إلى منطقة أخرى للعمل، بعيدة عن المنطقة التي نسكن فيها حاليًّا، فقلتُ له: لقد اشترطتُ عليك ألَّا تُبعد ابنتي عني، غير أنه أوضح لي -بطريقة غير مباشرة وغير مهذبة في الوقت نفسه- أن الفكرة منها، وأنها موافقة عليها، بل هي التي تشجعه على ذلك، فتأكد في قرارة نفسي ما كنتُ أتوقعه، وهو أن ابنتي تعمل على إخراجي من حياتها.

فحزنتُ لذلك حزنًا شديدًا، وتحدثتُ مع ابنتي بشكل عادي، لكنها كانت تقتضب في كلامها معي، على غير عادتها، وكانت آخر مرة جاءت فيها إلى منزلنا؛ لأنني طلبتُ منها أن أتحدث معها، فقلتُ لها إنني ووالدتها نرغب في السفر لقضاء عدة أيام، وعرضتُ عليها أن تصاحبنا، لكنها لم توافق؛ لأنها كانت قد رتّبت للسفر عدة أيام مع زوجها، دون أن تخبرنا، على غير عادتها، فأحزنني تصرفها.

ومع ذلك، كتبتُ لها رسالة عتاب، وقلتُ لها ما لاحظته من تصرفاتها، وذكّرتها بدوري في إنجاز الكثير من الأمور لها، ولكن بكلام مختصر، فقالت: «أنت تعايرني بما فعلته من أجلي، وأنت أصلًا لم تفعل إلا الواجب الذي يُفترض أن يفعله أي أب».

فأحزنني كلامها، فحظرتُها هي وزوجها؛ لأنه امتنع عن الكلام معي، مع أنني -والله- صاحب أفضال كثيرة عليه، ولكن شخصية ابنتي قوية عليه، فلا يعصي لها أمرًا.

وقد مضى على الحظر الذي فرضتُه عليهما ثلاثة أشهر، ولم يفكرا في زيارتي أو السؤال عني، مع أنهما يسكنان في الطابق الذي تحتي مباشرة، ولم يفكرا في الاعتذار إليَّ، ونسيا كل معروف فعلتُه من أجلهما، ويعيشان وكأنني لم أكن في حياتهما، أو كأنهما لم يريا مني أي خير، وجحدا كل معروف فعلتُه لهما.

لقد مضت ثلاثة أشهر دون أن يفكرا في السؤال عني أو الاعتذار إليَّ، وهانت عليهما العِشرة، وكأنهما لم يعرفاني، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولذلك قررتُ ألا أسامحهما، وألا أتواصل معهما ما دمتُ حيًّا، وقلتُ لزوجتي: "إذا متُّ، فبالله عليكِ، لا يدخلا عليَّ، ولا يحضرا جنازتي، ومن لم يبكِ عليَّ وأنا حي، فليوفّر دموعه عندما أموت".

والله إن قلبي يعتصر حزنًا على جحودهما وتعمدهما معاملتي بهذه الطريقة، مع أنني لم أقدّم لهما إلَّا كل خير، وسؤالي: بماذا تنصحونني حتى أتغلب على حزني وألمي؟


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Elsaid حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يجبر قلبكَ، ويصلح ابنتكَ وزوجها، ويعيد بينكم المودة والبر، ويبارك لكَ في حفيدتكَ التي تعلق بها قلبكَ.

فألمكَ مفهومٌ؛ لأن الجرح إذا جاء من الابنة الوحيدة التي ربيتها وأحسنتَ إليها كان أشد من غيره، ولكننا نرى أنكَ الآن تتخذ قراراتٍ كبيرةً وأنتَ في ذروة الحزن: الحظر، وقطع العلاقة مدى الحياة، وعدم المسامحة، بل ووصيتكَ ألا يحضرا جنازتكَ.

وهذه القرارات لن تخفف ألمكَ، بل قد تحول خلاف ثلاثة أشهرٍ إلى قطيعة سنواتٍ، وربما ندم الجميع حين لا يعود الندم نافعًا؛ ولذلكَ نرجو أن تنظر إلى الأمر من زاويةٍ أخرى:

• أولًا: ابنتكَ أخطأت في عبارتها حين قالت: إن ما قدمته لها مجرد واجبٍ عليكَ؛ فحتى الواجب يشكر صاحبه على إحسانه في أدائه؛ وقد قال النبي ﷺ: «لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ»، وكان الأولى أن تحفظ فضلكَ، وتقدر ما بذلته لها ولزوجها.

• ثانيًا: ولكنكَ أيضًا تحتاج إلى مراجعة بعض ما حدث؛ فابنتكَ بعدما تزوجت أصبحت لها أسرةٌ مستقلةٌ، ومن حقها أن تسافر مع زوجها، وأن تنتقل معه إلى مكانٍ آخر إذا اقتضت مصلحة حياتهما ذلكَ؛ فمحبتكَ العظيمة لها ولحفيدتكَ لا تعطيكَ حق اشتراط أن تبقى بجواركَ دائمًا، وربما هي لا تريد إخراجكَ من حياتها كما تصورتَ، وإنما تريد مساحةً أوسع لحياتها الزوجية.

• ثالثًا: لا تجعل إحسانكَ السابق دينًا تطالبها بسداده بالقرب الدائم منكَ؛ فما أنفقته عليها وربيتها وعلمتها به هو أجركَ فيه عند الله، وهذا أبقى وأعظم، وأما ذكركَ لها بما قدمتَ -ولو كنتَ تقصد تذكيرها بالفضل لا المن- قد يصل إلى قلبها في صورة معايرةٍ؛ ولذلكَ جاء ردها قاسيًا.

• رابعًا: الحظر الذي فعلته أغلق باب التواصل، ثم أصبحتَ تنتظر أن يتجاوزوه ويأتوا إليكَ، وقد تكون ابنتكَ من جهتها تقول: «أبي حظرني ولا يريدني»؛ فلا تجعل سكوتها ثلاثة أشهرٍ دليلًا قاطعًا على أنها نسيتكَ وجحدتكَ؛ فقد يكون عندها غضبٌ وعنادٌ وانتظارٌ لمبادرتكَ، كما عندكَ تمامًا.

• خامسًا: لا تجعل زوج ابنتكَ خصمًا لكَ؛ فالأصل بعد زواجها أن تكون لهما حياتهما وقراراتهما، وليس خطأً أن يراعي زوجته أو يستمع إليها، وإذا نقل عمله إلى مكانٍ آخر لمصلحةٍ معتبرةٍ؛ فلا تجعل ذلكَ دليلًا على أنه أخذ ابنتكَ منكَ؛ فالبنت إذا تزوجت لا تفقد أباها، ولكنها كذلكَ لا تبقى على الصورة نفسها التي كانت عليها قبل الزواج.

• سادسًا: ما تمر به من حزنٍ هو أيضًا من ابتلاء الدنيا، والصبر عليه مع احتساب الأجر عبادةٌ عظيمةٌ؛ وقد قال النبي ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ»، ومن الصبر هنا أن تمنع الألم من دفعكَ إلى قرار قطيعةٍ قد لا يرضي الله، وأن تقدم إصلاح ابنتكَ واستعادة قلبها على الانتصار لنفسكَ.

• سابعًا: تراجع عن كلامكَ بشأن جنازتكَ، ولا توصِ زوجتكَ بمنع ابنتكَ منها؛ فهذه ابنتكَ مهما أخطأت، وقد يأتي يومٌ تندم فيه أشد الندم على ما قالته لكَ؛ فلا تغلق عليها باب الرجوع، ولا تجعل عقوبتها تمتد حتى بعد موتكَ.

وأرى أن تبدأ أنتَ، لا لأنكَ المخطئ وحدكَ، وإنما لأنكَ الأب والأكبر والأقدر على احتواء الموقف: ارفع الحظر، وأرسل لها رسالةً قصيرةً بلا عتابٍ ولا ذكرٍ للمال والمعروف، تقول فيها إنكَ تألمتَ مما حدث ولكنكَ أبوها وستظل تحبها، وإن بيتكَ وقلبكَ مفتوحان لها ولزوجها وحفيدتكَ، وإنكَ تريد أن تبدأوا من جديدٍ.

ولا تنتظر اعتذارًا مثاليًا في أول لقاءٍ؛ فربما تبدأ بكلمةٍ، ثم زيارةٍ، ثم تلين القلوب بالتدريج، وإذا عادت إليكَ فلا تجعل أول جلسةٍ قائمة حسابٍ لما قدمته لها منذ طفولتها، وتذكر أن نجاحكَ الحقيقي بعد كل ما بذلته في تربيتها ليس أن تبقى قريبةً منكَ جغرافيًا، وإنما أن تكون امرأةً صالحةً مستقرةً في بيتها بارةً بأبيها وأمها.

أعطها مساحةً لتكون زوجةً وأمًا، واحتفظ أنتَ بمكان الأب الذي تلجأ إليه بحبٍّ، لا الذي تخشى أن تغضبه إذا اختارت شيئًا في حياتها.

نسأل الله أن يأجركَ على ما تجد في قلبكَ، ويصلح ابنتكَ وزوجها، ويردها إليكَ ردًا جميلًا، ويزيل ما تراكم بينكم من غضبٍ وسوء فهمٍ، ويبارك لكَ في حفيدتكَ، ويرزقكَ قلبًا كبيرًا يعفو ويصل، ويجمعكم قريبًا على مودةٍ وصفاءٍ وبرٍّ، والله الموفق.

www.islamweb.net