طلب مني أبي أن أبني له منزلًا.. فما حدود برِّ الوالدين؟

2026-09-28 01:26:19 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم.

طلب والدي مني أن أبني له بيتًا، وأنا أقدر على ذلك، فهل يكون علي إثم إذا رفضت له الطلب؟


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبادة حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يعينك على بر والدك، ويبارك لك في مالك، ويرزقك الفقه في الجمع بين حقه وحقوق من تعول.

فالسؤال هنا أعمق من مجرد: «هل يجب علي أن أبني البيت أم لا؟»؛ لأن بر الوالدين لا يقاس فقط بحدود الواجب الفقهي، وإنما بما يملكه الإنسان من قدرة على جبر قلب والديه، والإحسان إليهما، ومع ذلك فليس كل ما يطلبه الوالد من ولده يصبح واجباً شرعاً لمجرد القدرة عليه؛ ولذلك ينبغي التفريق بين الحاجة والرغبة، وبين الواجب والفضل.

ولتضع الأمر في ميزانه الصحيح، فانظر إلى ما يلي:

أولاً: إذا كان والدك محتاجاً إلى مسكن، ولا يجد ما يسكنه سكناً لائقاً، ولا يملك ما يوفر به ذلك، وأنت موسر قادر، فهنا المسألة ليست مجرد هدية يريدها الأب، وإنما تدخل في باب كفايته، والنفقة عليه بالمعروف؛ فقد قرن الله حق الوالدين بحقه فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.

ثانياً: أما إذا كان له مسكن مناسب يكفيه شرعاً وعرفاً، ولكنه يريد بيتاً جديداً، أو أوسع، أو ملكاً خاصاً، فليس بناء البيت واجباً عليك بمجرد طلبه، ولا تأثم لمجرد الامتناع؛ فالشريعة أوجبت كفاية الوالد المحتاج، ولم تجعل كل رغباته المالية ديناً في ذمة أبنائه.

ثالثاً: القدرة نفسها تحتاج إلى ضبط، فقد يكون في حسابك مال يكفي لبناء البيت، لكن عليك نفقة زوجة وأولاد، أو ديون والتزامات، أو تحتاج إلى تأمين مسكن أسرتك ومستقبلها، فلا يقال إنك «قادر» شرعاً لمجرد وجود المال؛ بل ينظر إلى قدرتك بعد الحقوق والالتزامات الأساسية، فلا يكون بر أبيك بإضاعة حق أولادك، ولا حفظ حق أولادك بذريعة للتقصير في أبيك.

رابعاً: لا تجعل علاقتك بأبيك قائمة على سؤال: «هل هذا واجب علي أم لا؟» فقط، فقد يكون الشيء غير واجب، لكنه فرصة في العمر لن تتكرر لرفع درجتك بين يدي الله تعالى، فالمال الذي تنفقه على أبيك وأنت قادر قد تنساه بعد سنوات، لكن جبر قلبه يبقى لك عند الله، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الوالد أوسط أبواب الجنة»، فإذا استطعت تحقيق رغبته دون ضرر معتبر، ففكر في الأمر من باب البر قبل أن تنظر إليه من باب الإلزام.

خامساً: وإذا كان بناء البيت كاملاً فوق قدرتك المناسبة، أو يضر بأسرتك، فليس الاختيار بين أن تبنيه كله أو ترفض تماماً؛ ولكن يمكنك أن تساهم بجزء، أو توفر له مسكناً مناسباً، أو تتعاون مع إخوتك، أو تبني على مراحل. والبر أوسع من صورة واحدة.

سادساً: انتبه إلى قلب أبيك عند الرفض؛ فقد تكون غير ملزم ببناء البيت، لكن جبر خاطره بالقول واجب عليك، فانتبه أن تجرحه بطريقة كلامك؛ فلا تقل له: «ليس لك عندي حق في ذلك»، بل قل ما يجبر خاطره: «يا أبي، والله ما أبخل عليك، وما أملك فهو من فضل الله، ثم من بركتكم، لكن عندي التزامات وإن شاء الله نصل إلى طريقة أستطيع بها أن أفعل كل ما تريد دون أن أقصر في حق آخر»، فقد يكون أدب الاعتذار نفسه براً.

وأخيراً: اسأل نفسك سؤالاً يتجاوز الحكم المجرد: إذا مضى والدك من الدنيا، وبقي المال، هل ستطمئن أنك فعلت معه ما كنت تستطيع؟ فإن كان بناء البيت يحقق له حاجة حقيقية، وراحة كبيرة، وأنت قادر بلا ضرر معتبر، فلا تضيع على نفسك باباً عظيماً من البر، ولو لم نقل إن صورة البناء نفسها واجبة عليك، أما إن كان له ما يكفيه، وكان طلبه مجرد توسع يشق عليك، فأحسن الاعتذار، وقدم من البر ما تستطيع، ولا تحمل نفسك إثماً لم يوجبه الله عليك.

نسأل الله أن يطيل عمر والدك على الطاعة والعافية، ويبارك لك في رزقك وأهلك، ويرزقك بره حياً وبعد موته، ويعينك على جبر خاطره من غير ظلم لنفسك، أو لمن تعول، ويجعل مالك طريقاً إلى رضاه ورضا الله عنك، والله الموفق.

www.islamweb.net