هل يمكن الجمع بيسر بين حقوق الأسرة ولوازم مهنة الطبيبة؟

2026-09-28 02:35:07 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالبة طب، أدرس في السنة الخامسة، وهذه آخر سنة لي في الدراسة النظرية، ثم سأنتقل للدراسة العملية التي تدوم بين 5 و6 سنوات حسب الاختصاص، ودراسة الاختصاص إجبارية في بلدنا.

أريد أن أسأل: هل بإمكاني إن تزوجت خلال هذه السنوات إقامة أسرة مستقرة، وتأدية حق الزوج كما يرضاه الله ورسوله من الاحتواء، وأن أكون له سكناً، باعتبار الدوام الليلي، والبقاء في المستشفى لمدة تصل إلى 36 ساعة، أو أكثر، عدة مرات في الشهر، بالإضافة لتحضيري كتاب التخرج، والدراسة في الكلية في بعض الأحيان؟

أخاف كثيراً أن أهضم حق زوجي وأطفالي، وحلمي أن أصبح طبيبة أستر عورات المسلمات، لا طمعاً في مال أو شهرة، ولكن أخاف أن أقصر في أوجب الواجبات وهو إقامة أسرة صالحة، والقيام بدوري كزوجة على أكمل وجه.

تأتيني خواطر بأن أنقطع عن الطب، ولكن الانقطاع ليس بالأمر السهل، وأخاف من غضب الله أن أكون تركت فرضاً كنت قادرة على القيام به؛ فمنذ أن دخلت الطب وأنا أفكر في هذا الأمر، وأنا صراحة ما رأيت في الناس الذين أعرفهم طبيبات أقمن أسرة سوية؛ فالأطفال يشتكون من قلة الاحتواء النفسي، وقلة الاهتمام بسبب انشغال أمهاتهم، والأزواج يشتكون من تقصير زوجاتهم تجاههم بحكم العمل الليلي، والإرهاق، وكثرة الانشغال.

ما يزيد حيرتي، قول بعض النسوة لي: أنني لن أقدر على بناء أسرة، ولا بد أن أقصر، وأنا كأنثى خُلقت لأكون سكناً للرجل، ولإعانته على شقاوة الحياة، فإذا كنت أنا أعمل، والزوج يعمل، ونعود مرهقين، كيف لي أن أكون سكنه، وأكون له كما كانت سيدتنا خديجة للرسول -صلى الله عليه وسلم-؟

أنا في حيرة من أمري، وغير قادرة على تنظيم أفكاري!

وخلاصة القول: هل أقدر على أن أكون نعم الزوجة، ونعم الطبيبة في آن واحد؟

جزاكم الله خيراً.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ عائشة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يُلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.

أختي الكريمة، نسأل الله أن يثبتك على هذه النية الطيبة في تعلم الطب، ويجعلها سببًا في رفعة درجتك في الدنيا والآخرة، فتخصصك في الطب له جانب عظيم من الأجر، وخاصة طب النساء، وقد يدخل في فرض الكفاية إذا احتاج الناس إليه، ولم يقم به من يكفيهم.

أختي الكريمة، ضغط العمل في مجال الطب ليس مجرد وهم، بل هو حقيقة لا ينكرها أي طبيب أو طبيبة؛ فالمناوبات الليلية، والاستدعاءات للطوارئ، والتأخير لأوقات وأيام، والسفر للمؤتمرات، والتغطيات، كلها تجعل وقت الأسرة ضيقًا جدًا، ولا شك أن لهذا تأثيرًا في الوقت الذي تعطيه المرأة لبيتها وزوجها وأبنائها؛ لذلك ينبغي النظر لهذا الواقع بعين الاعتبار، ودراسة الحلول الممكنة من كل النواحي.

أختي الفاضلة، خطوات مهمة تساعدك على اتخاذ القرار المناسب:

الخطوة الأولى: حتى لا تضيق الفرص بشكل أكبر ما تحتاجين إليه ليس جوابًا بنعم أو لا، وإنما بطرح جوانب أخرى ممكنة للحل، وهل يمكن أن تقدم حلولًا متوازنة تجمع بين كونك طبيبة ملتزمة وبين حقوق أسرتك؛ فالشريعة لم تجعل الزواج مشروعًا تتحمل المرأة وحدها نجاحه؛ قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فالسكن والمودة مسؤولية مشتركة.

الخطوة الثانية: ما تمرين به هو في الأساس مخاوف وتوقعات، لكنها لم تقع أساسًا، ولا ينبغي أن تجعلي الخوف من التقصير سببًا لترك حلم نافع لمجرد توقع التقصير؛ ففشل البعض ليس بالضرورة أنك ستفشلين، وعدم تفاهم البعض لا يعني بالضرورة أنك لن تتفاهمي مع زوجك، واتفاق الظروف قد لا يكون متطابقًا معك ومع كل طبيبة، لذلك لا تجعلي القرار مبنيًا على مجرد هواجس أو وهم أو مخاوف فقط، فقد تتغير الظروف، وقد تجدين نفسك في بيئة تساعدك على امتلاك وقت أطول، فالنجاح في الزواج والطب ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى دراسة وإعداد وتخطيط مبكر.

الخطوة الثالثة: قومي بتقييم الموقف من عدة نواحٍ، عبر طرح تساؤلات بعيدة عن مخاوف عاطفية، أو توقع مبالغ فيه:

- هل من المؤكد أنني سأقصر في مهام أسرتي وزوجي؟
- هل يوجد طبيبات نجحن في خلق التوازن بين الطب وبين الأسرة؟
- هل يمكن خلق نوع من التوازن والعدل بين الطب وبين العناية بالأسرة؟
- هل يمكن حدوث اتفاق وتفاهم وتعاون بين الزوج والزوجة، يضمن استقرار الأسرة وسعادتها؟

محاولة الإجابة على هذه التساؤلات تجعلك تخرجين من وهم العاطفة والتوقعات السلبية المجردة إلى النظر بعقلانية وهدوء، ودراسة واستعداد، دون أن تفرطي في حلمك أو تقصري في واجباتك.

الخطوة الرابعة: في سبيل تحقيق هذا التوازن، لا تتزوجي رجلًا يتوقع منك حياة ربة منزل كاملة، بينما يعلم أنك طبيبة ومناوباتك قد تمتد 36 ساعة، ثم يأمل أن تتغير طبيعتك بعد الزواج.

الاتفاق والتفاهم قبل الزواج يضمن لك أكبر قدر من الاستقرار، وإخفاء هذه المهام والأعباء هو ما يجعل الزوج يُصدم من واقعه بعد الزواج، لذلك من الضروري أن يكون زوج المستقبل -إن شاء الله- واعيًا بكل هذه التفاصيل، ومن المهم أن تناقشي بوضوح المناوبات، والأطفال، والمساعدة المنزلية، والسكن، وتوزيع المسؤوليات، والتعامل مع فترات الامتحانات والإرهاق.

الخطوة الخامسة: تذكري أن جودة حضور الأم أهم من مجرد عدد ساعات وجودها؛ فطفلة تجد أمًا منهكة لكنها حانية، صادقة، تستمع إليها، وتحيطها بالحب والاهتمام لساعات قليلة، قد تكون أكثر احتواءً من أم متفرغة جسديًا وغائبة نفسيًا وعاطفيًا، لذلك اجعلي في المستقبل حضورك القليل قويًا ومؤثرًا؛ من خلال تحويل تلك الساعات إلى إشباع عاطفي كامل للزوج والأسرة، ولا تحضري أي شيء من عملك إلى المنزل، ليكون وقتك كله للبيت والأسرة، وبهذا تعوضين شيئًا من هذا النقص، وبالتفاهم وحسن إدارة هذا الوقت تستطيعين تعويض أي تقصير -بإذن الله-.

أخيرًا: نعم تستطيعين أن تكوني زوجة صالحة، وطبيبة ناجحة، لكن ليس وحدك، وليس بلا تنظيم، وليس مع زوج لا يؤمن بالشراكة والتعاون؛ فقد تتهيأ لك ظروف ليست لغيرك، كعمل أقل جهدًا، أو عمل خاص في عيادتك الخاصة يتيح لك وقتًا أكبر، ونحو ذلك.

أكثري من الدعاء والتضرع لله تعالى أن يختار لك الخير، ويعينك على تحقيق ذاتك، وخدمة مجتمعك.

وفقك الله ويسر أمرك.

www.islamweb.net