أرى كوابيس في النوم وأموري مُعطلة، فهل ما أصابني سحر؟

2026-09-28 03:01:29 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لستُ متأكدة، لكنني أظن أنني أعاني من «الجن العاشق»؛ إذ تأتيني أحلام مزعجة جدًّا، فيها زنا المحارم و-العياذ بالله-، وبكثرة.

وأموري كلها معطلة؛ فلا أخرج من المنزل منذ شهور، وقد توقفت عن الدراسة، ولا أحب رؤية الناس، وخاصة الرجال، حتى إنني نفرت من أبي نفورًا شديدًا.

أعاني من هذه الكوابيس بكثرة، لدرجة أنني لم أعد أحب النوم بسببها، وأحلم أيضًا أن شخصًا ما يطعمني، ويكون الطعام كأنه حقيقي، وعندما أستيقظ أشعر بطعمه، وأكون شبعانة، ولا أحب أن آكل في ذلك اليوم، وأنا مُقصِّرة جدًّا في عباداتي، ولا أستطيع الصلاة؛ لأنني أتعب كثيرًا عند أدائها.

ذهبتُ مرة إلى راقٍ، فقال: إن بي مسًّا وإنني مسكونة، وأمرني بالحجامة والعودة إليه، لكنني لم أعد؛ إذ لم أستطع، وتعطلت كل الأمور التي كانت ستساعدني على العودة إليه، وأشعر أيضًا بضيق كبير بين العصر والمغرب، وأحب الجلوس وحدي كثيرًا في الظلام، وقال لي الراقي: أنه تحدث مع الجني، فأخبره بأنه مرسل إليَّ ليعطل حياتي ودراستي، وفي ذلك اليوم، عندما عدت إلى المنزل، نمت جيدًا جدًا ولم أعانِ من أي شيء.

مع العلم أنني عندما كنت صغيرة، كنتُ أكره الماء كرهًا شديدًا، فرُقيتُ بسبب ذلك، كما كرهتُ المدرسة فرُقيت أيضًا، ورُقيتُ بسبب العين، وعندما شربتُ ذلك الماء المقروء عليه، شعرت بأنه كالنار، حتى أُغمي عليَّ.

فما حالتي، وما الذي يصيبني بالضبط؟ وكيف أعالج ذلك، فقد احترت؟

أرجو منكم الرد، وشكرًا جزيلًا لكم، والسلام عليكم.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هيفاء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله:

من خلال ما ذكرتِه في استشارتكِ، إليكِ بعض الوصايا والأسس الإيمانية المهمة التي تعينكِ -بإذن الله تعالى- على التعامل مع ما تمرين به:

▪ أولًا: كوني متيقنة أن ما يصيب العبد إنما هو وفق ما قضاه الله وقدره عليه، وأن ما قضاه الله فيه خير له، وإن كان ظاهره خلاف ذلك، قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}، وقال ﷺ: «قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ». ولما خلق الله القلم قال له: «اكْتُبْ»، قال: وما أكتب؟ قال: «اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وقال ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ»، والكيس: الفطنة.

▪ ثانيًا: شدة الابتلاء دليل على محبة الله للعبد، والجزاء يكون على قدر البلاء، فإن عظم البلاء عظم الجزاء، يقول ﷺ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ»، فعليكِ بالرضا بقضاء الله وقدره، وحذارِ من التسخط، وإلا فالجزاء من جنس العمل.

▪ ثالثًا: عليكِ أن تنظري لمن هم أشد بلاء منكِ، فذلك حري ألَّا تتسخطي على قضاء الله وقدره، كما أن النظر في النعم يكون إلى من هو أدون منا، فكذلك البلاء ننظر إلى من هو أشد ابتلاء.

▪ رابعًا: كوني على يقين أن ما أصابكِ لم يكن ليخطئكِ، وما أخطأكِ لم يكن ليصيبكِ، قال ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». وحتى تتضح لكِ طبيعة ما تمرين به، والطريقة المناسبة للتعامل معه، فإليكِ تشخيص حالتكِ، وبعض التوجيهات والخطوات لعلاجها، لعلها تكون علاجًا شافيًا بإذن الله تعالى:

▪ أولًا: طبيعة ما تعانين منه:
الأعراض التي ذكرتِها من كوابيس، وتعطل في الأمور، ونفور من الأهل، وإطعام في المنام، وضيق في الصدر، هي علامات واضحة على وجود أذى روحي -سحر أو مس أو عين حسد-، والشيطان يستغل هذا الأذى ليغرس في قلبكِ الحزن والخوف واليأس، ويعزلكِ عن محيطكِ. واليقين هنا هو أن هذا من كيد الشيطان، وكيده ضعيف لا يضركِ إلا بإذن الله، قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}.

▪ ثانيًا: الصلاة هي الركن المنيع:
تعبكِ عند الصلاة وتقصيركِ فيها هو الهدف الأساسي للشيطان؛ لأنه يعلم أن الصلاة هي حصنكِ الذي متى ما دخلتِ فيه احترق أذاه، لذلك فالعلاج الحقيقي يبدأ بجهاد النفس على أداء الصلاة مهما بلغ بكِ التعب، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}، وقال النبي ﷺ: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»، لا عافية بلا صلاة، فاجعليها خطًا أحمر.

▪ ثالثًا: سورة البقرة والرقية الذاتية:
لا تعتمدي كليًا على الرقاة، بل ارقي نفسكِ بنفسكِ، فهو أرجى للقبول لصدق اضطراركِ.
الدواء الفعال لحالتكِ هو قراءة سورة البقرة يوميًا أو الاستماع لها بإنصات، فهي حارقة للشياطين ومبطلة للسحر، لقول النبي ﷺ: «اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ»، أي: السحرة.

▪ رابعًا: التعامل مع الكوابيس والإطعام المنامي:
هذه الأحلام من تلاعب الشيطان ليؤذيكِ نفسيًا وبدنيًا، والعلاج النبوي لها هو ألا تنامي إلا على وضوء، متجهة نحو القبلة، وعلى شقكِ الأيمن، واضعة كفكِ اليمنى على خدكِ الأيمن، مع الإتيان بأذكار النوم كاملة، ومنها قراءة آية الكرسي، وبهذه الطريقة ستختفي عندكِ الأحلام المفزعة بإذن الله.

وإذا رأيتِ أحيانًا ما تكرهين، فافعلي ما أمر به النبي ﷺ، حيث قال: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلْمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ»، ولا تطلبي تعبير مثل هذا الحلم؛ لأنه تخويف من الشيطان.

▪ خامسًا: هجر العزلة والظلام:
جلوسكِ وحدكِ في الظلام هو بيئة خصبة لتسلط الشياطين وزيادة الأوهام، فيجب عليكِ الخروج من هذه العزلة، وفتح نوافذ غرفتكِ، وإضاءتها، والجلوس مع أهلكِ، ومخالطة الناس ولو بالتدرج، قال النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ».

كما نؤكد على ضرورة المحافظة على أذكار الصباح بعد أداء الصلاة، والمساء بعد صلاة العصر، وإذا اشتد عليكِ الضيق عند المغرب، فأكثري من ذكر الله المطلق، كالتهليل والتسبيح والتحميد وغير ذلك، فالله تعالى يقول: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.

وأخيرًا، دونكِ هذه النصائح الجامعة لدفع هذا البلاء:

▪ أولًا: لزوم الاستغفار والإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».

▪ ثانيًا: الإكثار من التضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، وسؤال الله من خيري الدنيا والآخرة، ومنها أن يرفع عنكِ البلاء، مع تحين أوقات الإجابة، كما بين الأذان والإقامة، للحديث: «الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ».

وأثناء السجود، للحديث: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ قَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ»، ومعنى قمن: أي حري أن يستجاب لكم، وفي الثلث الأخير من الليل، لحديث: «يَنْزِلُ رَبُّنَا فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُنَادِي: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ...».

▪ ثالثًا: الإكثار من دعاء ذي النون: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فما دعا به أحد في شيء إلا استجاب الله له، يقول رسول الله ﷺ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ».

▪ رابعًا: عليكِ بدعاء الكرب، وهو: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ»، فما دعا به أحد إلا نفّس الله كربه وفرج همه.

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيكِ ويعافيكِ، وأن يصرف عنكِ كل سوء ومكروه، ونسعد بتواصلكِ.

www.islamweb.net