أبي يكذب بشأن المال ويكفر عند الغضب.. كيف نتعامل معه؟

2026-09-30 01:33:38 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم.

نحن نعاني من بعض الظروف المادية الصعبة؛ في البداية كانت أمي تتحدث مع أبي بشأن المصاريف، وتقترح عليه حلولاً لنخرج من هذه الأزمات، أو تطلب منه أن يطور عمله، أو يبيع "الخراف" التي يملكها، وبحسب كلامه كان يدّعي أن لديه خرافاً يتاجر بها عند شخص ما، وكلما فتحت معه أمي موضوع التجارة، أو أي أمر مشابه، كان يتحجج ويقول: "غداً".

وعندما تطلب منه بيع الخراف، يقول: "لا أستطيع الآن لأنها ما زالت صغيرة"، وتمر فترة طويلة، فتعود لتطلب منه بيعها، فيقول: "سأذهب عندما يتوفر لدي الوقت"، وفجأة، يتذرع قائلاً: "الخراف حامل الآن ولا يمكنني بيعها"، وظل يكرر هذه الأعذار والقصص لمدة ثلاث سنوات، حتى اكتشفنا في النهاية أن مسألة الخراف هذه مجرد كذبة!

فعندما تسأله أمي الآن: "أين الخراف؟"، يبدأ بالصراخ، وشتمها، والكفر بالله عز وجل، والأمر لا يقتصر على قصة الخراف فقط؛ بل يكفر، ويسبّ عند نقاش أي موضوع يتعلق بالمال، أو وقود السيارة (البنزين)، أو أي مشكلة بسيطة أخرى.

أنا كرهته كثيراً بسبب هذا السلوك؛ فمرّات عديدة تطلب منه أمي ألا يكفر، ولكنه يعود للكفر لأبسط الأسباب، واليوم على سبيل المثال، نسي أخي بطاقته الشخصية، وكان بحاجتها لإتمام معاملة ما، فكفر أبي مباشرة، وقبل قليل، قالت له أمي: "إذا استمررت في هذا الكفر، فسأترك لك المنزل"، فرد عليها قائلاً: "اتركيه إذاً"، ولكنها تجاهلت كلامه ولم ترد عليه.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك، ونسأل الله أن يهدي أباك، ويصلح حاله، ويوسع عليكم في الرزق، ويحفظ بيتكم من الخصام.

فما تصفه يجمع بين مشكلتين ينبغي التفريق بينهما:

مشكلة مالية: يبدو أن أباكَ لا يحسن التعامل معها، أو لا يصارحكم ببعض تفاصيلها.

ومشكلة أخطر: هي ما يصدر منه عند الغضب من سبّ الله، أو التلفظ بالكفر. ولا ينبغي أن تجعل كرهكَ لهذه التصرفات يتحول إلى كراهية لأبيكَ نفسه، أو عقوق له، وحتى تتعامل مع الأمر بطريقة صحيحة، فننصحكَ بما يلي:

أولاً: سبّ الله تعالى، أو التلفظ بالكفر عمداً، مع العلم والاختيار أمر بالغ الخطورة، وليس مجرد كلمة غضب عادية؛ بل قد يكون كفراً مخرجاً من الإسلام بحسب حقيقة اللفظ، والقصد، والحال؛ ولذلك يجب على أبيكَ أن يتوب إلى الله توبة صادقة، ويندم على ما صدر منه، ويعزم ألا يعود إليه.

ثانياً: لا تتولَّ أنتَ الحكم على أبيكَ بأنه أصبح كافراً في كل مرة، ولا تدخل في مسائل تكفير المعيَّن وتفاصيلها؛ فهذا يرجع فيه إلى أهل العلم بعد معرفة الألفاظ، والظروف، والمقاصد.

أما أنتَ: فواجبكَ أن تنكر عليه بالحكمة هذه الكلمات، وأن تبين له خطورتها، وأن تستعين -بعد الله- بعالم أو شخص يحترمه أبوكَ ليجلس معه بهدوء، خاصة أن تنبيه أمكَ المتكرر لم يغير الأمر.

ثالثاً: اختاروا وقت هدوئه، ولا تناقشوه في هذه القضية وهو غاضب، ويمكنكَ أن تقول له بأدب: «يا أبي، نحن لا نخاف من المشكلة المالية بقدر خوفنا عليك من الكلمات التي تقولها عند الغضب، فالمال يعوض، لكن أمر الدين أعظم»؛ فربما تصل إليه النصيحة من ابنه بطريقة تختلف عن الجدال أثناء المشكلة.

رابعاً: أما قصة الخراف والمال، فإذا ثبت أنه لم يكن صادقاً معكم، فهذا خطأ آخر، لكن لا تجعلوه موضوع مواجهة يومية تستفز غضبه، وتفتح باب السب والكفر.

نعم، من حق أمكَ أن تطلب وضوحاً في شؤون الأسرة المالية، لكن إذا أصبح السؤال نفسه يعيد المشهد كل مرة، فالأفضل أن يناقش معه شخص حكيم خطة الأسرة المالية مرة واحدة بصورة منظمة.

خامساً: قول أمكَ إنها ستترك البيت إذا استمر الحال، لا ينبغي أن يتحول إلى تهديد متكرر في لحظات الغضب؛ فالمشكلة تحتاج إلى إصلاح، لا إلى أن يقول كل طرف للآخر: "اخرج من البيت"، فإذا كانت الحياة بينهما مضطربة، فليتدخل بينهما من يصلح ويضبط مسائل المال، وطريقة الحوار والغضب.

سادسا: أما قولكَ "كرهته"، ففرِّق بين كراهية المنكر، وكراهية الأبوة؛ فلكَ أن تكره الكفر، والكذب، والسب الذي يصدر منه، بل يجب إنكار المنكر، لكن أباكَ يبقى أباكَ، وله حق البر، والصحبة بالمعروف، فلا تسبَّه، ولا تهنْه، ولا ترفع صوتك عليه؛ قال تعالى: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء:23].

وأما ما تعيشونه من ضيق مالي، وتوتر داخل البيت: فهو بلا شك من الابتلاء الذي يحتاج إلى صبر وحكمة، ولكم في الصبر والاحتساب أجر -بإذن الله-، ثم إن وجود هذا الابتلاء لا يعني أن الله قد أغلق عنكم أبواب الفرج؛ فالأرزاق تتغير، والأحوال تتبدل، ولكن عليكم أن تجمعوا بين الدعاء، وتنزيل المال، والبحث عن أسباب زيادة الدخل، وتقليل أسباب النزاع.

والأولوية الآن ليست الخراف، ولا مقدار المال، وإنما لسان أبيك ودينه؛ فاستعينوا بشخص له مكانة عنده ليكلمه بعيداً عن لحظات الغضب، وأكثروا له من الدعاء بالهداية، ولا تيأسوا من تغيره مهما تكرر منه الخطأ.

نسأل الله أن يهدي أباك إلى توبة صادقة، ويعصم لسانه من الكفر والسب، ويصلح ما بينه وبين أمك، ويوسع عليكم في الرزق الحلال، ويُذهب عن بيتكم الغضب والخصام، ويعينك على برّ أبيك مع إنكار خطئه بالحكمة، ويجمع أسرتكم على الإيمان والمودة والسكينة.

والله الموفق.

www.islamweb.net