الشكوك والنسيان أثرت على أدائي لعباداتي، فكيف أتخلص منها؟

2026-10-06 01:23:16 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منذ نحو أربعة أشهر، أصبحتُ فجأة لا أعلم: هل أنا في الركعة الثالثة أم الرابعة؟ وهل سجدتُ أم لا؟ وبدأتُ أنسى هل قرأتُ الفاتحة أم لا، وكلما علمتُ أن هناك أمرًا مهمًّا في الصلاة، كالبسملة مثلًا، أصبحتُ حساسة تجاهه، وأخاف أن أنساه، فأضطر إلى إعادة الصلاة أكثر من مرة، خوفًا من أن أكون قد نسيت ركعة أو سجدة.

مع العلم أنني أحيانًا أشعر أنني قمتُ بها، لكن عقلي لا يريد الاقتناع، ومن كثرة التفكير أنسى فعلًا هل قمتُ بالركعة أم لا، وأخاف أن تكون صلاتي غير صحيحة، فأعيدها، وفي كثير من الأحيان كانت أمي تجلس بجواري وتراقبني، وتراني أصلي بشكل صحيح، لكن عقلي لا يريد الاقتناع، وكلما حاولتُ التجاهل، أتاني صوت داخلي يقول لي إن هذا تشتت، وإنني غير مركزة، ويجعلني تأنيب الضمير غير مرتاحة من كثرة التفكير والقلق.

حتى إنني فجأة أصبحتُ أقول: هل صليتُ أمس؟ مع أنني أصلي منذ زمن طويل، ولا يعقل أن أترك فرضًا، خاصة أنني - الحمد لله - أحافظ على صلاتي، وفي فترة بدأتُ أتجاهل هذه الأفكار، فتحسنتُ تمامًا، لكنها عادت إليَّ مرة أخرى، وشاهدتُ مصادفةً مقطعًا يقول إن هذا قد لا يكون وسواسًا في كثير من الأحيان، وقد يكون تشتتًا، مما جعلني أكثر حيرة، ولا أعلم: هل أبني على الزيادة أم على الأقل؟ مع العلم أنه إذا بنيتُ على الأقل، يأتيني الشك نفسه في ركعة أخرى.

وكلما تجاهلتُ الشك، أشعر بقلق شديد وخوف من الله أن تكون صلاتي باطلة، فأضطر إلى إعادة البسملة والفاتحة أكثر من مرة، وإذا شككتُ هل سجدتُ أم لا، أعيد الصلاة، حتى إنني أعدتُ صلاة العشاء أمس نحو أربع مرات أو أكثر، إلى أن تعبتُ، وبدأتُ أشعر بألم في رأسي من التفكير، ولا أعلم ماذا أفعل، وهل هذا وسواس أم تشتت؟ لكن عقلي مقتنع بأنه تشتت، وأنني لا أركز، حتى بدأتُ أخاف من اقتراب وقت الصلاة، وأخاف أثناء الوضوء أن يخرج مني ريح أو شيء يبطل صلاتي، ومن كثرة التفكير أشعر أنه خرج مني شيء، فأعيد الوضوء، لكن هذا لا يحدث دائمًا.

أريد أن أعود كما كنتُ في السابق، وأصلي بخشوع، وأعتذر عن طول السؤال، لكن الله يعلم كم أعاني وأتعب!

أتمنى أن تجيبوا عن سؤالي، وأنا واثقة بالله أنه لن يضيعني، وواثقة بموقعكم أنني سأجد الجواب فيه، وأشكركم.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ضحى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لكِ - ابنتنا الكريمة - ثقتكِ وطلبكِ الاستشارة من موقع إسلام ويب، ونسأل الله أن يطمئن قلبكِ ويعينكِ على عبادته.

ابنتنا الكريمة، نثني على حرصكِ على أداء الصلاة ومحاولتكِ إتقانها، وخوفكِ من التقصير فيها، وهذا يدل على تعظيمكِ لشعيرة الصلاة، فلا تجعلي هذا الحرص يتحول إلى باب للمشقة والقلق.

ابنتنا الكريمة، ما تصفينه من تكرار الشك في عدد الركعات والسجود وقراءة الفاتحة والبسملة، مع شعوركِ أحيانًا بأنكِ أديتِ العبادة، ثم يأتيكِ عقلكِ مطالبًا بالتأكد، وإعادة الصلاة مرات عديدة، وكذلك الشك في خروج الريح وإعادة الوضوء، ثم ازدياد القلق كلما حاولتِ التجاهل، كل ذلك يجعل احتمال وجود وسواس قهري متعلق بالعبادات واردًا، ولا يمكن الجزم بالتشخيص من خلال الاستشارة وحدها.

ومن المهم التأكيد على أن الوسواس قد يستغل شدة حرص الإنسان على العبادة، فيجعله يطلب اليقين الكامل في أمور لا تحتاج إلى هذا القدر من التدقيق، وكلما استجبتِ له بالإعادة والتأكد ازداد إلحاحًا، بينما يقل تدريجيًا عندما لا تعطينه ما يطلبه.

وعليه، فاجعلي لنفسكِ قاعدة واضحة: لا تعيدي الصلاة لمجرد الشك، ولا تعيدي الوضوء لمجرد الإحساس أو الوهم، ولا تلتفتي إلى الخاطر بعد انتهاء العبادة، ما لم يحصل يقين جازم معتبر، وقد قال النبي ﷺ: «إذا وجد أحدُكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا».

أمَّا عن مسألة الشك أثناء الصلاة، فننصحكِ أن تتعلمي أحكام الشك المعتبرة في أمور الصلاة مرة واحدة من مصدر موثوق، ثم تطبقيها دون إعادة أو بحث متكرر، لأن تكرار مشاهدة المقاطع والبحث عن الإجابات طلبًا للطمأنينة قد يغذي دائرة الوسواس.

وإذا شككتِ في الفاتحة أو البسملة أو السجود، فلا تعيدي العبادة لمجرد الشك المتكرر، ولا تطلبي من والدتكِ مراقبتكِ في كل صلاة، فمراقبتها قد تطمئنكِ مؤقتًا، لكنها قد تزيد اعتمادكِ على التحقق.

ويمكنكِ - ابنتنا الكريمة - أن تبدئي بالتدرج: صلّي الصلاة مرة واحدة، ولا تراجعي تفاصيلها بعد السلام، وإذا جاءكِ القلق، فرددي في نفسكِ أن هذا مجرد شك، وأنكِ لن تستجيبي له أو تسترسلي فيه، وأكثري من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم الذي يوسوس للإنسان ليشوش عليه صلاته، ثم انتقلي إلى ما بعد الصلاة، ولو بقي القلق فترة من الزمن، فالهدف ليس أن يختفي القلق فورًا، وإنما أن تتعلمي ألا تستجيبي له.

وحاولي كذلك تقليل التركيز على مراقبة كل حركة وفكرة أثناء الصلاة، واجعلي اهتمامكِ بالمعنى والخشوع العام، مع التنفس بهدوء وعدم استعجال الصلاة.

وبما أن الأمر بلغ حد إعادة الصلاة مرات عديدة، وأصبح يسبب لكِ صداعًا وخوفًا من الصلاة والوضوء، فننصحكِ بإخبار والدتكِ أو شخص تثقين به، وطلب المساعدة من مختص نفسي لديه خبرة في علاج الوسواس القهري، خاصة العلاج السلوكي المعرفي، فهذا من الأخذ بالأسباب، ولا يتعارض مع التوكل على الله.

واطمئني، فوجود هذه الأفكار المزعجة لا يعني ضعف إيمانكِ، ولا أنكِ متعمدة التقصير، فلا تلومي نفسكِ عليها.

أسأل الله أن يشفيكِ ويطمئن قلبكِ، وأن يرزقكِ صلاة هادئة خاشعة، وأن يجعل عبادتكِ سببًا للسكينة، لا مصدرًا للخوف والمشقة.
-------------------------------------------
انتهت إجابة الدكتور/ إبراهيم أحمد عطية، استشاري نفسي اجتماعي.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
--------------------------------------------

مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نسأل الله تعالى لكِ عاجل العافية والشفاء من هذه الوساوس، وأن يخلصكِ الله منها.

وأنتِ مطالبة -أيتها البنت الكريمة- بأن تأخذي بالأسباب للتخلص من هذه الوساوس، فإن الله تعالى قدّر الأقدار وجعل لها أسبابًا، والوسوسة نوع من المرض، وقد قال الرسول ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً».

فنصيحتنا لكِ أن تأخذي بالأسباب، وهذه الأسباب نوعان:
• أسباب شرعية: ينبغي أن تعملي بالتوجيهات الشرعية في معالجة الوساوس ومدافعتها.
• وأسباب حسية مادية: وذلك بأن تطلبي الدواء لدى الأطباء، فإنهم قد يصفون لكِ من الأدوية ما يصلح مزاج الجسم ويعيد إليه اعتداله.

وقد أفادكِ الأخ الفاضل الدكتور/ إبراهيم بفوائد قيمة ونصائح ثمينة، نرجو أن تعملي بها، ونؤكد نحن -من الناحية الشرعية- أن هذه الوساوس التي تأتيكِ لا تؤثر في عباداتكِ، ولا في صلاتكِ، وغير ذلك من أعمالكِ.

فالمطلوب منكِ تجاهل هذه الوساوس تمامًا، والإعراض عنها، وعدم العمل بمقتضاها، فمهما شككتِ في الصلاة، لا تلتفتي إلى هذا الشك، ولا تعملي أنتِ بقاعدة البناء على الأقل، لأن هذه القاعدة إنما تُطلب من الإنسان السليم، أمَّا من ابتُلي بشيء من الوساوس فلا ينبغي أن يلتفت إلى شكوكه، ولهذا قال العلماء: «وَالشَّكُّ بَعْدَ الْفِعْلِ لَا يُؤَثِّرُ ... وَهَكَذَا إِذَا الشُّكُوكُ تَكْثُرُ» أي: لا يُلتفت إلى الشك، ولا تتأثر العبادة بالشك إذا كثر حصول الشك من صاحبه.

وقد بيّن بعض الفقهاء أن كثرة الشك تكون بأن يقع الإنسان في الشك كل يوم، ولو مرة واحدة، وهذا بلا شك أنتِ قد تجاوزتِ هذه المرحلة بخطوات كثيرة، ولهذا إذا صليتِ فلا تلتفتي إلى الشك: هل ثلاث أم أربع؟ وما يقع في ظنكِ أنه الصلاة فأكمليها، ولا تبني على اليقين فتزيدي ركعة.

واعلمي أن الشيطان حريص على أن يستغل ما فيكِ من الخير والحرص على طاعتكِ وعبادتكِ، فيحاول أن يجركِ إلى خطواته من هذا الباب، وهو الحرص على فعل الطاعات، فيوقعكِ في نوع من الاحتياط والتشدد في العبادة، وقصده من هذا أن يصل بكِ إلى مرحلة تثقل فيها العبادة عليكِ، فيؤدي ذلك إلى ترككِ للعبادة بالكلية، ولكن الله تعالى رحيم بكِ، لطيف بكِ، يشرع من الأحكام ما يتيسَّر عليكِ، ومن ذلك أنه -سبحانه وتعالى- شرع للموسوس ألَّا يلتفت إلى شكوكه، وألَّا يبني عليها أحكامًا.

نسأل الله تعالى -بأسمائه وصفاته- أن يصرف عنا وعنكِ كل سوء ومكروه.

www.islamweb.net