يئست من الحياة الدنيا وأصبحت أفكر في الآخرة فقط، فما توجيهكم؟
2026-10-07 00:05:21 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنتُ أريد أن أعرف: هل يوجد شيء يُسمى التعطيل؟ فقد سمعتُ مشايخ كثيرين يتحدثون عن هذا الموضوع، وأن هناك أحلامًا يراها الشخص، وأنا منذ أن كان عمري 13 سنة كانت تتكرر عليَّ رؤى معينة، وما زالت تتكرر حتى الآن.
فهل من الممكن أن تكون هذه رسالة من الله؟ وهل الإصابات القديمة -مثل العين- إذا لم تُعالج، يمكن أن تسبب ذلك؟ فخلال هذه السنوات تغيرت حياتي فعلًا إلى الأسوأ، وما زال الأمر مستمرًا حتى الآن.
وقد مرضتُ وتعبتُ، وأجريتُ فحوصات، لكنها كلها كانت سليمة، وفي النهاية عملتُ رقيةً وتحسنتُ بعدها، وقد مرت عليَّ فترة تركتُ فيها قراءة القرآن إلَّا في رمضان، وكذلك الأذكار، واستمر ذلك عدة سنوات، منذ المرحلة الثانوية حتى آخر سنة لي في الجامعة.
وبعد ذلك تعبتُ، وبدأتُ أرى الكوابيس، فقرأتُ سورة البقرة والرقية لفترة، ثم تركتُهما، لكن حياتي متوقفة منذ ذلك الوقت، أي منذ 7 سنوات، ومع ذلك فقد تغيرتُ -والحمد لله-، فأصبحتُ أصلي نوافل كثيرة، وبدأتُ بحفظ القرآن، وقيام الليل، وأمور أخرى كثيرة، والحمد لله.
لكن الأحلام ما زالت مستمرة، فأرى نفسي دائمًا -أعزكم الله- في الحمامات المتسخة والنجاسات، وأرى نفسي في امتحان لم أذاكر له، وأرى السلم الذي أريد صعوده بشكل غريب، ولا أستطيع الصعود عليه، وغير ذلك.
وقد عملتُ رقية أحد المشايخ لمدة 3 أشهر ثم تركتُها، كما تركتُ الدعاء بشكل جزئي، لكنني ما زلتُ أقول الأدعية المأثورة، ولم أعد أطلب شيئًا لنفسي، وإنما أدعو لأهلي فقط.
والسبب أنني دعوتُ بيقين دعوات كثيرة في سنوات مختلفة، لكنها لم تُستجب، وكلما حاولتُ الدعاء تذكرتُ تلك الدعوات، ولم أعد أستطيع الرضا؛ لأنني اجتهدتُ، وسعيتُ، ودعوتُ، وفعلتُ كل ما أستطيع، ومع ذلك ضاعت مني سنوات كثيرة جدًّا دون فائدة، ولم أصل إلى شيء.
ودائمًا أتذكر قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}، فأشعر بإحباط شديد؛ لأنني مهما عملتُ وسعيتُ لأي شيء، لا أصل إلى نتيجة، ودائمًا يحدث شيء يفسد كل ما حاولتُ القيام به.
وهذا الموضوع يضايقني جدًّا، وأتمنى أن أصل إلى حل جذري، فأنا أشعر كأنني أجلس وأشاهد عمري وشبابي يضيعان منذ 7 سنوات، ومهما تفاءلتُ وقلتُ إن السنة القادمة ستكون أفضل، أجدها أسوأ، وأشعر أنني أدور في دائرة مغلقة، ثم جاءت الحرب وأفسدت كل شيء.
لقد يئستُ من الحياة، وأصبحتُ أفكر في الآخرة فقط، ولم تعد الدنيا تهمني كما كانت من قبل، فأرجو إفادتي:
• هل الإنسان يمكن أن يسعى طوال حياته، ولا يصل إلى شيء، رغم الاستخارة والسعي والدعاء؟
• وهل صحيح أن هناك أشخاصًا منع الله عنهم الدنيا؟
• وهل صحيح أن ليس كل شخص يقرأ الرقية يُشفى؟
• وهل يمكن أن يعمل الإنسان العبادات، ويتقي الله، ويطيع ربه، ثم يضيع كل ذلك يوم القيامة؟
• ولماذا كل دعاء أدعو به لنفسي لا يُستجاب، بل يحدث العكس، وتتعقد عندي الأمور جدًّا، مع أنني أدعو لغيري ويُستجاب لهم؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رحاب حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدركِ، ويصرف عنكِ اليأس، ويبارك في عمركِ وعبادتكِ، ويعوضكِ عن سنوات التعب والانتظار خيرًا.
أختنا الكريمة، الذي يظهر من رسالتكِ أن المشكلة لم تعد مجرد سؤال: «هل عندي عين أو تعطيل؟»، بل أصبحت سبع سنوات من التعثر تجعلكِ تبحثين عن تفسير يجمع كل ما حدث: المرض، والأحلام، وتعطل بعض الأمور، والحرب، وتأخر الدعوات، ثم بدأتِ تخافين أن يكون الله قد منع عنكِ الدنيا، وأن سعيكِ كله يضيع.
وهذا ينبغي أن نقف معه قبل الحديث عن الرقية، ولبيانه نقول:
• أولًا: السحر والعين حق، وقد يقع بسببهما الضرر بإذن الله، لكن لا نستطيع أن نحكم بأن عندكِ «تعطيلًا» بسبب الأحلام التي ذكرتِها، فرؤية الحمامات والنجاسات والامتحانات والسلالم الصعبة ليست تشخيصًا شرعيًّا للسحر أو العين، ولا نرى أن تجعلي الأحلام التي بدأت منذ الثالثة عشرة، رسالةً من الله تخبركِ بأن حياتكِ معطلة، ونحن لا في الموقع نفسر الرؤى، كما أنه ينبغي ألا تبني عليها أحكامًا تتعلق بمستقبلكِ.
• ثانيًا: لا توجد قاعدة تقول إن «العين القديمة إذا لم تُعالج تتحول إلى تعطيل يمتد سنوات»، فهذا كلام لا دليل عليه، فقد يصاب الإنسان بالعين، وقد يشفى بإذن الله، لكن ربط سبع سنوات كاملة بإصابة قديمة يحتاج إلى دليل لا نملكه، ولا يستطيع أحد الجزم به. وقد ذكرتِ بنفسكِ الحرب، والمرض، وظروفًا كثيرةً، فالحياة أعقد من أن نفسر كل تعثر بسبب غيبي واحد، ونغفل الأسباب الأخرى التي قد تكون هي الحقيقية.
• ثالثًا: الرقية مشروعة، والقرآن شفاء، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}، لكن لا يوجد في الشرع ضمان بأن من طبق برنامجًا معينًا ثلاثة أشهر فلا بد أن يحصل له ما يريده في الدنيا. فالرقية ليست وصفةً تجريبيةً نقول بعدها: قرأتُ المدة المحددة، فلم يتغير مستقبلي، إذن لم تنفع، بل ارقي نفسكِ بالفاتحة، وآية الكرسي، والمعوذات، والأذكار، والدعاء، دون تعلق ببرنامج شخص معين، أو أعداد ومدد لم يثبت تخصيصها.
• رابعًا: أما قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}، فلا يعني أن كل إنسان يحصل في الدنيا على النتيجة التي أرادها مقابل كل سعي بذله، فالآيات في الجزاء على العمل، ولذلك قال بعدها: {ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى}.
فقد تسعين في أمر ولا تدركينه، لكن سعيكِ الصالح نفسه لا يضيع عند الله.
• خامسًا: نعم، قد يعيش الإنسان زمنًا طويلًا يسعى إلى شيء بعينه ولا يصل إليه، فالأنبياء أنفسهم لم تتحقق لهم كل النتائج الدنيوية التي يحبونها، فنوح عليه السلام دعا قومه قرونًا، ولم يؤمن معه إلَّا قليل، ولم يكن ذلك دليلًا على ضياع سعيه، بل لحكمة يعلمها الله، ونحن مأمورون بالسعي، ولسنا مالكين للنتائج.
• سادسًا: أما قولكِ: «هل هناك من منعهم الله الدنيا؟»، فنقول: قد يضيق الله على عبد في أبواب، ويوسع عليه في أخرى، وقد يعيش بعض الصالحين فقراء أو مرضى أو مبتلين، لكن هذا لا يعني أن الله أهانهم أو أبغضهم، قال تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا}، فتأمَّلي قوله تعالى: {كَلَّا}، فليست السعة وحدها علامة الإكرام، ولا الضيق وحده علامة الهوان.
• سابعًا: لا تتركي الدعاء لأن دعوات سابقة لم تتحقق بالصورة التي أردتِها، فقد قال النبي ﷺ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي». والاستجابة أوسع من إعطاء المطلوب نفسه، فقد يعطي الله، أو يدفع شرًّا، أو يدخر للعبد من الأجر ما لا يراه الآن، وليس معنى ذلك أن نخبركِ بأن كل أمنية لا بد أن تتحقق، فلله في كل شيء تقدير، وله في كل أمر حكمة، والله يعلم ونحن لا نعلم.
والمهم ألَّا تجعلي عدم تحقق ما دعوتِ به دليلًا على أن الدعاء قد ضاع، فالدعاء نافع في كل أحواله، إما أن يُجاب، أو يرفع الله به بلاءً، أو يدخر لكِ أجره بين يديه يوم العرض عليه.
• ثامنًا: قولكِ إنكِ تدعين لغيركِ فيُستجاب، وتدعين لنفسكِ فلا ترين الإجابة، لا يعني أن لكِ بابًا مغلقًا عند الله، فأنتِ ترين جزءًا صغيرًا من الأقدار، ثم تقارنين بينه وبين ما دعوتِ به، والله يقول: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، فأنتِ لا تعلمين أي الخيارين هو الأصلح لكِ.
• تاسعًا: أما خوفكِ من أن تعبدي الله وتتقيه ثم يضيع ذلك يوم القيامة، فهذا الخوف لا أصل له إذا لقي العبد ربه مؤمنًا صادقًا، فقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، وقال سبحانه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}. فصلاة صليتِها لله، وقرآن حفظتِه، وقيام قمتِ به، وصبر صبرتِه، لا يضيع عند رب لا يظلم مثقال ذرة، والخوف من إحباط الأعمال له أحكام وأسباب، وليس مجرد تأخر الرزق أو وقوع الذنب مع التوبة سببًا لأن تتخيلي أن عبادات العمر كلها ستذهب.
• عاشرًا: أنتِ الآن تحتاجين إلى إعادة بناء علاقتكِ بالدعاء، فلا تدعي الله وأنتِ تراقبين الإجابة، بل قولي: «يا رب، لا تخيب رجائي، وأنا لا أعرف أين الخير، فاختر لي، وأصلحني، وارزقني الرضا والسعة والفرج»، والشكوى إلى الله ليست سوء أدب، بل هي من التضرع إليه، فقد قال يعقوب عليه السلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}.
وأخيرًا: لا تتوقفي عن السعي في الدنيا باسم الاهتمام بالآخرة، فالاهتمام بالآخرة أمر عظيم، لكن الله أبقاكِ في الدنيا لتعملي فيها، فادرسي، واعملي، وابحثي عن الفرص، واحفظي القرآن، وصلي، وخذي بالأسباب، ولا تجعلي السنوات السبع الماضية حكمًا على السنوات القادمة، كما أن الحرب وحدها قادرة على قلب خطط الناس وحياتهم، فلا تنسبي إلى سحر أو غضب إلهي ما يمكن أن يكون من آثار واقع شديد مررتِ به.
واجعلي الرقية جزءًا هادئًا من عبادتكِ، لا مركز حياتكِ، فاقرئي الفاتحة، والمعوذات، وآية الكرسي، وحافظي على الأذكار والدعاء، ثم امضي إلى يومكِ، ولا تراقبي الأحلام، ولا تبحثي عن علامات التعطيل، ولا تعيدي اختبار نفسكِ كلما تعثر أمر.
فما تحتاجين إليه ليس «حلًّا جذريًّا» يكشف لكِ سر السنوات السبع، بقدر ما تحتاجين إلى أن تتوقفي عن تفسير حياتكِ كلها من خلالها، فأنتِ اليوم -والحمد لله- تصلين النوافل، وتحفظين القرآن، وتقومين الليل، وهذه ليست حياةً متوقفةً، بل هناك جانب عظيم منها ينمو، وإن كانت أبواب أخرى متعثرة.
نسأل الله أن يأجركِ على ما مر بكِ من ابتلاء، ويصرف عنكِ العين والسحر وكل سوء إن وجد، ويثبت قلبكِ على القرآن والطاعة، ويعيد إلى قلبكِ حسن الظن به، ويفتح لكِ أبواب الرزق والعمل والاستقرار، ويستجيب دعاءكِ بما هو خير لكِ، ويريكِ في بقية عمركِ من لطفه ما يمحو مرارة السنوات الماضية، وألَّا يضيع لكِ دعاءً، ولا سجدةً، ولا دمعةً، ولا سعيًا قصدتِ به وجهه.
وبالله التوفيق والسداد.