خطيبتي رائعة في دينها وخلقها..لكن هاجس طول القامة يطاردني!
2026-10-14 01:43:53 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
خطيبتي مليئة بالصفات الحسنة -اللهم بارك- من دين، وخلق، وجمال، وروح طيبة، وتعرف معنى البيت والزوج والقوامة ونحو ذلك، ولكنها قصيرة تقريبًا (152 سم)، وأنا (162 سم).
لا أكترث للأمر معظم الوقت، ولكن أحيانًا عندما أرى فتيات ذوات طول يوسوس لي الشيطان، فأدفعه بذكر صفاتها الإيجابية، وبقولي إن الكمال لله وحده، ولا يوجد بشر تجتمع فيه كل الصفات.
أخاف أن يتفاقم الأمر بعد الزواج، ولا أستطيع التعايش مع هذه الصفة، فبمَ تنصحونني؟
بالله قولوا لي كلامًا يدفع وسواس شيطاني، خاصةً أنني معجب بها أشد الإعجاب، ولكن أخاف من تبعات ذلك بعد الزواج، لا سيما وأن أبي طلق أمي بسبب قصرها، فهذا الهاجس لا يفارقني.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سائل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أخي الكريم، يظهر من رسالتك أن خطيبتك قد جمعت من الصفات ما يتمناه كثير من الشباب: الدين، والخلق، والحياء، والجمال في نظرك، وأن الإشكال ليس في نفور حقيقي منها، وإنما في هواجس تطرأ عليك أحياناً بسبب قصر قامتها مقارنة بقامتك، والحقيقة أن فارق الطول الذي ذكرته بينكما لا يبدو فارقاً غير معتاد، بل إن كون الزوج أطول من زوجته بنحو عشرة سنتيمترات يُعد أمراً شائعاً ومتوافقاً مع ما اعتاده الناس في كثير من المجتمعات، فلا يظهر من وصفك ما يدعو إلى اعتبار هذا الأمر عيباً مؤثراً في نجاح الزواج أو استقراره.
فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم كلما وردت عليك هذه الخواطر، ولا تقس حياتك المقبلة على ما وقع من طلاق بين والديك؛ لأن الناس تختلف ظروفهم وأحوالهم ودوافعهم، ولا يلزم أن تتكرر تجارب الآباء في الأبناء، بل إن الذي يظهر أن جعل فارق الطول البالغ عشرة سنتيمترات تقريباً سبباً مستقلاً للطلاق ليس أمراً تبدو وجاهته من الناحية العقلية أو العرفية؛ ولذلك لا يُستبعد أن تكون هناك أسباب أخرى لطلاق والديك لم تُذكر لك، أو لم تعلمها كاملة، وقد يكون والدك قد أخفى الأسباب الرئيسية حفاظاً على ما بقي من العشرة؛ لأن قصر القامة أمر جبلي ليس للإنسان اختيار فيه.
ولهذا لا ينبغي أن تجعل حادثةً وقعت في حياة غيرك معياراً تحاكم إليه مشروع زواجك، وإنما انظر إلى واقع خطيبتك أنت، وما اجتمع فيها من خصال الدين، والخلق، والصلاح، وحسن المعاشرة، والقبول النفسي، فإذا وجدت هذه الأصول العظيمة فلا تلتفت إلى وساوس تحاول أن تصرفك عن نعمة ظاهرة بين يديك.
ومما يؤكد ذلك أن الشيطان إذا عجز عن حرمان العبد من النعمة سعى إلى تنغيصها عليه، فيشغله بالتفتيش عن نقص يسير، ويُنسيه ما هو أعظم منه بكثير من النعم والمحاسن.
أما ما طلبته من نصيحة، فننصحك بما يلي:
أولاً: ننصحك بأن تنتبه إلى مكائد الشيطان، ومنها أنه يأتي للإنسان غالباً من باب النقص الموجود، ومن باب إفساد النعمة الموجودة، فإذا رأى منك الرضا عن فتاة صالحة ذات دين وخلق فتح عليك باب المقارنات، وأخذ يريك ما ليس عندها وينسيك ما عندها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:216]، فالإنسان قد ينشغل أحياناً بصفة خَلقية يراها دون ما يتمنى، بينما تكون الأرضية المناسبة لاجتماع خصال عظيمة أخرى قد لا يدرك قيمتها حق الإدراك إلا بعد سنوات من المعاشرة، فكم من الناس غضوا الطرف عن بعض الأمور الشكلية اليسيرة، فامتلأت حياتهم بالمودة والرحمة والسكينة، وكم من الناس فُتنوا بصفات ظاهرية أعجبت أعينهم، ثم وجدوا وراءها من الشقاء والتنغيص ما أفسد عليهم حياتهم!
ولذلك فليست العبرة بكمال صفة جزئية بعينها، وإنما العبرة بكمال الصورة الكلية بقدر الإمكان، وإذا منَّ الله على العبد بزوجة صالحة ذات دين وخلق وحياء وحسن عشرة، فقد يكون ما يشغله من بعض الصفات الشكلية أمراً يسيراً لا يكاد يُذكر أمام ما اجتمع فيها من أسباب السعادة والاستقرار، والله يعلم من مصالح عباده ما لا يعلمون، ولذلك كان من كمال العبودية أن يرضى المؤمن باختيار الله له إذا رأى أمارات الخير والصلاح ظاهرة أمامه.
وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى المعيار الأهم، وهو ذات الدين، عند اختيار الزوجة، فقال: ( تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) متفق عليه. ومن تأمل الحديث وجد أن النبي ﷺ ذكر أسباب الرغبة المعتادة عند الناس من مال وجمال وحسب، ثم وجَّه إلى أن أعظم ما ينبغي الظفر به هو الدين؛ لأن الدين هو الذي يحمي بقية الصفات، وهو الذي يبقى أثره ويمتد في الحياة الدنيا والآخرة.
وبما أنك ذكرت أن خطيبتك صاحبة دين وخلق، وأنها تعرف معنى الحياة الزوجية والقوامة والبيت؛ فتلك الصفات تعد رأس مال الحياة الزوجية السعيدة، بل هي الصفات التي يبحث عنها العقلاء عندما يريدون بناء بيت مستقر يدوم على المودة والرحمة، بل الذي يظهر من كلامك أنك معجب بها أشد الإعجاب، وترى فيها صفات كثيرة محمودة، ولا تجد نفوراً منها، وإنما تجد خواطر مقارنة عابرة تدفعها كلما حضرت، وهذا في الغالب علامة على وجود القبول الحقيقي، وليس على وجود نفور يمنع من إتمام الزواج.
لذلك فالذي يظهر لنا من سؤالك أن الله قد رزقك بأصل عظيم من أصول نجاح الزواج، وهو الدين والخلق والقبول النفسي، وأن الذي يقلقك إنما هو هاجس ومقارنة عارضة غذَّتها تجربة والدك السابقة، فلا تجعل خوفاً متوهماً يضيع عليك نعمة حقيقية بين يديك، واستخر ربك، واستعن به، وأكثر من شكره على ما رزقك من محاسن تراها أنت بنفسك في خطيبتك، فإن تمام العقل ليس في البحث عن إنسان كامل، وإنما في معرفة أي الصفات أولى بالتقديم عند التعارض، وقد قدَّم الشرع الدين على ما سواه.
ونحب أن نلفت انتباهك إلى أمر مهم، وهو أن الصفة الضامنة لصلاح الزوجة واستقامة الحياة الزوجية هي (ذات الدين)؛ لأن الصفات الأخرى لا يحصل نفعها إلى حد كبير إلا بوجود صفة الدين، فالجمال نعمة من نعم الله، ولا حرج في طلبه، لكن الجمال إذا خلا من التقوى قد يكون باب فتنة وشقاء، وقد تتحول المرأة الجميلة إذا لم يكن عندها وازع من الدين إلى سبب للفضائح والمشكلات الأسرية، وربما وقعت في الخيانة أو العلاقات المحرمة، فتجلب على زوجها وأهلها العار والهموم، وقد يفضي ذلك إلى مفاسد عظيمة تصل إلى اختلاط الأنساب وضياع الحقوق، والعياذ بالله، أما المرأة المتدينة فإن الذي يصونها عند غياب الرقيب البشري هو خوفها من الله -عز وجل-.
ولهذا لم يجعل الشرع الجمال أساس الاختيار، بل جعل الأصل هو الدين، فقال النبي ﷺ: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، وقد كان السلف يوصون بتقديم الدين على غيره؛ لأن جمال الوجه قد يُمتع صاحبه زمناً، أما جمال الدين والخلق فيبقى أثره على الزوج والأولاد والبيت طوال العمر.
ثانياً: ننصحك بغض البصر وعدم التطلع إلى ما عند الناس، واعلم أن النفس البشرية إذا استرسلت في المقارنات فلن تصل إلى حد الرضا أبداً؛ ولهذا قال النبي ﷺ:(لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لأحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) متفق عليه. فالمقصود أن النفس إذا فُتح لها باب الشهوة والتطلع إلى ما عند الآخرين، فإنها لا تقف عند حد، فاليوم تطلب مزيداً في الطول، وغداً في الجمال، وبعده في المال أو غير ذلك، ولذلك ليس العلاج أن يبحث الإنسان عن الكمال الموهوم، وإنما أن يتعلم الرضا بما ساقه الله إليه من النعم، فقد أرشدنا النبي ﷺ إلى علاج المقارنات فقال: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم) متفق عليه.
ثالثاً: ننصحك ألا تُطيل مدة الخطبة، فإذا وجد القبول بينكما، وتوفرت المقومات الأساسية لإتمام الزواج، ولو في حدها الأدنى، فبادر إلى إتمامه؛ فإن طول فترة الخطبة كثيراً ما يكون مدخلاً من مداخل الشيطان لإفساد مشروع الزواج قبل أن يبدأ، حيث يفتح أبواب التردد والمقارنات والوساوس والتفتيش عن العيوب، حتى يصبح الإنسان أسيراً لخواطر لم تكن موجودة عند بداية الاختيار.
فإذا أكرمك الله بزوجة صاحبة دين وخلق وقبول، ورزقك معها المودة والرحمة والإعفاف والاستقرار، فإن كثيراً من هذه الوساوس يضعف أو يزول -بإذن الله-؛ لأن الشيطان إنما يقوى في أبواب التردد والتخيل والمقارنات، فإذا أقدمت على الزواج بعد حسن الاختيار وسددت على الشيطان هذه الأبواب خاب سعيه وضعف تأثيره، بل إن الواقع يشهد أن كثيراً من الشباب ينشغلون قبل الزواج ببعض الصفات الجزئية، ثم إذا دخلوا في الحياة الزوجية ووجدوا من زوجاتهم المودة والرحمة وحسن العشرة والإعفاف والأنس والسكينة ما يملأ قلوبهم وأعينهم، تراجعت تلك الهواجس كثيراً أو زالت بالكلية، فالنفوس مجبولة على الأنس بمن يحسن إليها ويشاركها تفاصيل الحياة، ولهذا كان من الخطأ أن يجعل الإنسان بعض الخواطر العابرة حكماً على مشروع زواج ظاهره الخير والصلاح.
فاستعن بالله، وأكثر من الاستخارة والدعاء، وأحسن الظن بربك، ولا تمنح الشيطان فرصة لإفساد نعمة تراها أنت بنفسك في دين خطيبتك وخلقها وقبولك لها، وإذا تيسر أمر الزواج فبادر إليه، فإن في الزواج إعفافاً للنفس، وغضاً للبصر، وسكناً للقلب، وإغلاقاً لكثير من الأبواب التي يتسلل منها الشيطان بالوساوس والمقارنات، ومن صدق مع الله في طلب العفاف والاستقرار، ورأى من مخطوبته الدين والخلق والصلاح، فإن المرجو أن يرزقه الله بعدها من المودة والرحمة والرضا ما تذهب معه كثير من هذه الهواجس والخواطر -بإذن الله تعالى-.
ونسأل الله أن يشرح صدرك للحق، وأن يبارك لك في خطيبتك، وأن يجمع بينكما على خير ومودة ورحمة، وأن يصرف عنك وساوس الشيطان وتخويفه، وأن يرزقكما ذريةً صالحةً وحياةً زوجيةً مستقرةً.
والله الموفق.