تؤنبني أخطائي مع أبي المتوفى رغم أنه كان راضيًا عني، فماذا أفعل؟
2026-10-15 00:31:15 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم.
كانت علاقتي بوالدي في بداية حياتي جيدة جداً، وكنت أحبه، وأحرص على أن تكون علاقتنا طيبة، لكن مع مرور الوقت، كانت تحدث بيننا خلافات كثيرة؛ فقد كان أحياناً يرفع صوته عليّ، ويخاصمني، وكنت أتضايق من ذلك، وأحياناً كنت أغضب وأرفع صوتي عليه، وأحياناً أخرى كنت أحاول أن أرضيه، وأُنهي الخلاف.
وفي أوقات كثيرة كنت أتجنبه، وأبتعد عنه حتى لا تحدث مشاكل جديدة، خاصة أن والدتي كانت أحياناً تتضايق عندما أطيل الحديث معه، وكانت تحدث خلافات بسبب ذلك، وكنت في داخلي لا أحب أن أكون على خلاف مع والدي، لكن عندما كان يخاصمني كنت أشعر بالعجز عن إصلاح الأمر، وأحياناً كنت أتجاهله رغم أنني لم أكن أريد استمرار الخصام.
وأنا أعترف أنني أخطأت في بعض المواقف، وأشعر بالندم على الأوقات التي تعصبت فيها، أو رفعت صوتي عليه، وأتمنى لو كنت تصرفت بشكل أفضل.
لكن في آخر شهر من حياته، عندما مرض، تغير كل شيء، كنت بجواره طوال الوقت، وأخدمه وأهتم به، وأتابع أدويته وطعامه واحتياجاته، وكنت تحت قدميه أحاول أن أريحه، وأخفف عنه.
وقبل وفاته طلبت منه أن يسامحني عن أي شيء بدر مني، فقال لي كلاماً لن أنساه أبدًا، قال لي: «أنتِ أحسن أولادي، وأعطيكِ عيوني، ولا يوجد مثلك»، وكان راضياً عني جداً.
أتمنى لو كنت دائماً أفضل معه، أتذكر كلماته الأخيرة لي دائمًا ، وأرجو أن يكون قد مات وهو راضٍ عني وسامحني، فهل سيغفر الله لي ما فعلت؟ ضميري يؤنبني.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ياسمين حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أسأل الله تعالى أن يرحم والدكِ رحمة واسعة، ويغفر له، ويرفع درجته في المهديين، وأن يربط على قلبكِ ويذهب عنكِ تأنيب الضمير، جميلٌ أنكِ تعترفين بما أخطأتِ فيه، وتندمين عليه، وتحرصين على بر والدكِ حتى آخر أيامه؛ وهذا باب خير عظيم.
أختي الكريمة، لا تيأسي من رحمة الله تعالى، وارجِي خيرًا من رضا والدكِ الذي عبّر عنه بوضوح في آخر حياته، فقد طلبتِ منه المسامحة، فأجابكِ بكلمات محبة ورضا لن تنسيها، فخذي كلامه على ظاهره، واستبشري به، ولا تعودي كل يوم إلى محاكمة نفسكِ على مواقف مضت.
نعم، قد نخطئ في حق والدينا وقت الغضب، وقد نقصِّر في برهما، لكن باب التوبة مفتوح، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]، وقال النبي ﷺ: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"، رواه الترمذي.
تذكري أن الوالدين كثيرًا ما يصبران على أبنائهما، ويتجاوزان عن أخطائهم بدافع المحبة والرحمة، حتى حين تتخلل العلاقة خلافات وغضب، وقد أكرمكِ الله تعالى بأن وقفتِ إلى جانب والدكِ في مرضه، وخدمتِه، واعتنيتِ به، وطلبتِ منه المسامحة، فكان جوابه لكِ مليئًا بالمحبة، فاجمعي بين الندم الذي يدفعكِ إلى الخير، والرجاء الذي يطمئن قلبكِ.
وأوصيك بجملة من الوصايا العملية:
• أكثري من الدعاء له بالمغفرة والرحمة.
• استغفري الله تعالى عن المواقف التي تندمين عليها، واعزمي على أن يكون الغضب في المستقبل سببًا للتريث وضبط اللسان، لا لإيذاء من تحبين.
• تصدقي عنه بما تستطيعين، وصِلي رحمه، وأحسني إلى من كان يحبهم؛ فهذه أعمال نافعة يُرجى أن يصل إليه ثوابها.
• كلما عادت إليكِ ذكرى مؤلمة، تذكري كلماته الأخيرة، واستحضري أنكِ طلبتِ مسامحته، وأنه عبّر لكِ عن رضاه، ثم اقطعي الاسترسال في لوم نفسكِ.
ولا أستطيع أن أجزم لأحد بمآله عند الله تعالى، لكن لكِ أن ترجِي رحمته وفضله، وأن تحسني الظن به، فليس من البر بوالدكِ أن تعذبي نفسكِ بعد وفاته، وإنما من البر أن تواصلي الدعاء له والإحسان بعده.
أسأل الله تعالى أن يرحم أباكِ، ويجعل رضاه عنكِ بشرى خير لقلبكِ، ويغفر لكِ ما كان منكِ، ويبدل ندمكِ طمأنينة، ويجمعكِ به في جنات النعيم.
وبالله التوفيق والسداد.