أريد التوبة والتقرب إلى الله..فهل أسلك طريق الدراسات الإسلامية؟

2026-10-15 02:18:18 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسعد الله أوقاتكم بكل خير، أما بعد:

فأود أن أشكركم على جهدكم في تنوير الأبصار، وسبب لجوئي اليوم إلى منصتكم هو أنني الآن في السنوات الأخيرة من دراستي في الثانوية التأهيلية، وهي متبوعة بامتحان وطني، وأنا أعمل جاهدة كي أنجح فيه بامتياز، بعد توفيق الله طبعًا.

لكنني مؤخرًا أشعر أنني تائهة، فلدي رغبة في دراسة العلوم الشرعية، وبالأخص أن أتعمق في ديني أكثر، لكنني أجد أن معظم الجامعات والمعاهد لن تقبلني دون أن أكون حافظة لكتاب الله كاملًا مكمّلًا، وإنني أخاف وأخشى ألَّا أستطيع إتمام حفظ كتاب الله كاملًا؛ لقلة ثقتي بنفسي، كما أن تخصصي علمي، فأخشى أن أضيّع آمال الناس من حولي.

لكن الله يشهد أنني أود أن أتقرب إليه، بعد أن أضعت نصف عمري بعيدة عن الصراط المستقيم؛ لأنني كنت ضحية للوسط الذي أعيش فيه، رغم محاولات والديَّ حمايتي من انفتاحه، فوقعت في الكلام المتجاوز فيه مع الشباب والعلاقات المحرمة، لكن ذلك لم يصل إلى أي شيء خطير، وإن كان الكلام وحده خطيرًا بحد ذاته، لكن الله يشهد أنني أريد أن أتوب.

عزمت على ارتداء الحجاب الشرعي والقفازات، وإنني أمهّد لنفسي الطريق للنقاب بعد الثانوية، إذا بقي في العمر بقية.

أشكو إليكم ترددي في اختيار الدراسات الإسلامية، وأشكو لكم خوفي من ألَّا يوفقني الله في هذا الطريق، وأشعر بأنني مقصرة كثيرًا في حق نفسي، وأنني أنساق مع المغريات أغلب الوقت، وأضيّع الوقت الذي من المفترض أن ألتزم فيه بالعبادات، وتغرّني نفسي، لكنني أجمحها أحيانًا، وتغلبني في أحيان أخرى.

وفي الوسط الذي أعيش فيه، يقول لي أغلب من حولي إنهم متيقنون من أنني سأخلع القفازات والحجاب، ويظنون أنها مجرد مرحلة، وأنني سأعود إلى الانفتاح، ويقولون إن الإيمان في القلب، وإن كافرًا قد يدخل الجنة ومسلمًا لا يدخلها، لكنني أعلم أن هذا الكلام ليس له أي أساس من الصحة؛ لأن الدين عند الله الإسلام.

تركت الأغاني والمسلسلات، واقتنيت كتبًا عن الدين، واعتزلت المواقع، لكنني أخاف أن أزلّ، وأكثر من ذلك، أخاف أن أفقد شغفي وأقطع صلاتي؛ لأنني كنت أقطعها منذ سنوات، ولست فخورة بذلك.

أخشى ما قد يقوله الناس؛ لأن مساري الدراسي متميز، وذلك فضل الله عليَّ، وقد يرون أنني أضيّع نفسي في الدراسات الإسلامية، لكن الله يشهد أنني لا أود شيئًا غير أن أتقرب إليه.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ آية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويثبت قلبك على طاعته، ويرزقك العلم النافع والعمل الصالح.

أختي الكريمة، جميلٌ ما في رسالتك من صدق رغبتك في التوبة والتقرب إلى الله تعالى، وحرصك على دينك مع اجتهادك في دراستك؛ فاحمدي الله تعالى على هذه الرغبة، ولا تجعلي الخوف من المستقبل يحرمك فرحة البداية.

•• أولًا: لا تجعلي ماضيك عائقًا أمام توبتك:
ما مضى من علاقات أو تقصير لا يعني أنك محرومة من الهداية أو أن باب الخير قد فاتك، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر:53].
فتوبي بصدق، واتركي ما تعلمين أنه لا يرضي الله تعالى، ولا عليك من كلام الناس، واجعلي ندمك بداية إصلاح، ومن صدق التوبة الندم على الذنب، والإقلاع عنه، والعزم على عدم العودة إليه.

•• ثانيًا: لا تختاري تخصصك بدافع الخوف أو الحماس وحدهما:
محبتك للعلوم الشرعية نعمة، لكن لا يلزم أن تثبتي صدق محبتك بترك تخصصك العلمي، ولا أن يكون دخولك الدراسات الإسلامية هو الطريق الوحيد للتقرب إلى الله تعالى.

يمكنك الجمع بين دراسة جامعية مناسبة لقدراتك واهتماماتك، وطلب العلم الشرعي تدريجيًا، ثم التخصص فيه إن تبيّن لك بعد البحث أنه الأنسب، وهنا أنصحك بأن:
- تتحققي من شروط القبول الفعلية في الجامعات والمعاهد التي ترغبين فيها؛ فقد تختلف الشروط من مؤسسة لأخرى.
- توازني بين فرص الدراسة والعمل، وقدراتك وميولك، والخيارات المتاحة أمامك.
- تستشيري والديك ومعلمة موثوقة أو مختصة بالتوجيه الدراسي، ثم تستخيري الله تعالى بعد جمع المعلومات.
-لا تتخذي قرارًا مصيريًا بسبب الخوف من كلام الناس، ولا بدافع الشعور بالذنب تجاه الماضي.

•• ثالثًا: لا تشترطي على نفسك حفظ القرآن كاملًا حتى تبدئي:
- ابدئي بما تستطيعين، واجعلي الحفظ هدفًا متدرجًا لا اختبارًا لقيمتك أو صدق إيمانك.
- خصصي وقتًا يوميًا ثابتًا ولو كان قليلًا، مع مراجعة ما حفظتِ، وتعلّم التجويد والمعاني من معلمة متقنة.
- وإن تعثرتِ يومًا، فعودي في اليوم التالي ولا تحكمي على نفسك بالفشل، قال ﷺ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [متفق عليه]؛ فالثبات على القليل خير من اندفاع شديد يعقبه انقطاع.

•• رابعًا: احمي توبتك من ضغط المحيط ومن المغريات:
- حافظي على الصلوات الخمس؛ فهي أولوية لا تؤجل إلى أن تتحسن نفسيتك أو يكتمل التزامك، وإن قصرتِ يومًا، فبادري إلى التوبة والعودة.
- ولا تسمحي لليأس أن يجرّك إلى ترك الصلاة؛ فهي بوابة التوفيق والثبات التي لا ينبغي أن يستهان بها.
- واستمري في الحجاب الذي اقتنعتِ به شرعًا، وتدرجي في تعلم الأحكام الصحيحة، واجعلي قراراتك نابعة من قناعة وعلم، لا من تحدي الناس أو انتظار إعجابهم.
- واختاري صحبة تعينك على الخير، واملئي وقتك بالدراسة والقرآن والأنشطة النافعة، بدل الاكتفاء بالاعتزال الذي قد يصعب الاستمرار عليه.

كما أنصحك:
- ألَّا تلتفتي لكلام من يقولون إنك ستتراجعين؛ فالناس لا يعلمون ما ستؤول إليه أحوالك، أثبتي صدقك لله تعالى بالاستمرار والثبات، لا بالدخول في جدال مع الخلق.
- وتذكري أن قول إن الإيمان في القلب لا يعني الاستغناء عن العمل، وأن الحكم على مصائر الناس ليس إلينا؛ فالله تعالى وحده أعلم بالقلوب، ونحن مأمورون بطاعته وحسن الظن برحمته، دون تزكية أنفسنا أو الحكم على غيرنا.

•• خامسًا: لا تخافي من الفتور:
قد تمر بك أيام يقل فيها نشاطك أو تضعف همتك، وهذا لا يعني بالضرورة أنك فقدتِ الإيمان أو أن توبتك لم تكن صادقة، المهم أن تضعي لنفسك حدًا أدنى ثابتًا: الصلاة في وقتها، وورد يسير من القرآن، وذكر ودعاء، ووقت منظم للدراسة، وإذا أخطأتِ، فاستغفري وعودي، ولا تنتظري أن تصبحي بلا ذنوب حتى تقتربي من الله تعالى.

أختي الفاضلة، أنت في مرحلة بناء مستقبلِك؛ فاجتهدي الآن في امتحانك، وخذي بالأسباب لاختيار تخصصك، وابدئي في طلب العلم الشرعي من اليوم، ثم وسّعي الطريق بحسب قدرتك وما يتيسر لك.

أسأل الله تعالى أن يثبتك على الحق، ويشرح صدرك للعلم النافع، ويبارك في دراستك، ويجعل القرآن ربيع قلبك، آمين.

www.islamweb.net