الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنسأل الله أن يقبل توبة هذه المرأة، ويشرح صدرها، ويحفظها وأسرتها. ونوصيها بألّا تستسلم لليأس والوساوس؛ فإن الذنب مهما عظم لا يعظم على مغفرة الله لمن صدق في توبته، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
وما تعرضت له من اعتداء في صغرها، أو أُكرهت عليه، فلا إثم عليها فيه، ولا تحمل جناية المعتدي عليها. وأما ما فعلته بعد البلوغ مختارة، فعليها التوبة منه، وقد ذكرت أنها تابت، فلتثبت على توبتها وتحسن الظن بربها.
وأما المسائل المذكورة في السؤال، فبيان جوابها فيما يأتي:
أولًا: الزواج قبل التوبة والاستبراء.
المفتى به عندنا أن من أراد الزواج بامرأة يعلم وقوعها في الزنا، فلا يتزوجها ابتداءً حتى تتوب وتستبرئ رحمها؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3].
قال الحجاوي في الإقناع: «وتحرم الزانية إذا علم زناها على الزاني وغيره، حتى تتوب وتنقضي عدتها». انتهى.
ولمن أراد المزيد يمكنه مراجعة الفتوى: 484444.
واشتراط التوبة والاستبراء لصحة النكاح محلُّ خلاف بين أهل العلم؛ فجمهورهم لا يشترطون التوبة لصحته، والحنفية والشافعية لا يوجبون العدة من الزنا. قال الكاساني في «بدائع الصنائع»: «ولا عدة على الزانية، حاملًا كانت أو غير حامل؛ لأن الزنا لا يتعلق به ثبوت النسب». انتهى. وقال ابن قدامة -رحمه الله-: " ... وروي عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - لا عدة عليها. وهو قول الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن العدة لحفظ النسب، ولا يلحقه نسب. انتهى.
ولذلك قررنا في فتاوى سابقة إمضاء الزواج الذي وقع قبل التوبة أو الاستبراء، اعتبارًا بقول من يصححه، إذا استوفى سائر شروط الصحة. وعليه فلا يلزم تجديد العقد لمجرد هذين الأمرين، وإنما يبقى النظر في مسألة الولي، وسيأتي بيانها. ومعلوم أن ثمة فرقا بين بيان ما ينبغي مراعاته قبل الإقدام على العقد، وبين الحكم على عقدٍ وَقَعَ واستقرت به الأسرة في مسألة فيها خلاف معتبر.
هذا وليُعلم أنه لا يشترط لتحقق الوطء المحرم حصول الإنزال أو خروج دم؛ بل يتحقق بتغييب الحشفة، وهي رأس الذكر، في الفرج المحرم، فلا يصح نفي وقوعه لمجرد عدم الإنزال أو الدم. كما أن عدم الإنزال ليس مسقطًا للاستبراء على القول باشتراطه.
ثانيًا: عدم علم الزوج بالزنا وكتمانه عنه.
اعتقاد هذه السيدة أن صحة الزواج عند من يصححه مشروطة بعلم الزوج بزناها اعتقادٌ غير صحيح؛ فعدم علمه لا يبطل العقد، وليس كتمانها ما وقع سببًا لبطلانه.
وقد نص الشافعي في الأم، في باب نكاح المحدثين، على حكم من تزوج امرأة لا يعلم بزناها ثم علم به، فقال: «وكذلك لو نكح امرأة لم يعلم أنها زنت… لم تحرم عليه، ولم يكن له أخذ صداقه منها، ولا فسخ نكاحها». انتهى. فهذا نص صريح في أن عدم علم الزوج لا يوجب بطلان النكاح عنده.
بل إن التحريم عند من يشترط التوبة قد قُيّد بالعلم بالزنا، كما سبق في كلام الحجاوي.
ثالثًا: الزواج دون ولي.
هذه مسألة مستقلة عن الزنا والتوبة منه؛ فالولي شرط لصحة النكاح عند جمهور العلماء، وهو المفتى به عندنا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي»، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. وقال صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل»، رواه أبو داود والترمذي. وخالف أبو حنيفة، فأجاز للمرأة البالغة العاقلة تزويج نفسها بشروطه.
ومع أننا نرجح قول الجمهور، فإننا نفتي بأنه إن كان العقد قد جرى تقليدًا لمن يصحح النكاح دون ولي، أو حكم بصحته قاضٍ شرعي يرى ذلك، فإنه يمضي. قال الرحيباني الحنبلي في مطالب أولي النهى: «كما لو قلّد حنبلي أبا حنيفة في عقد نكاح بلا ولي، فليس للحاكم الحنبلي أن يعزّره؛ لانتفاء المعصية بتقليده إمامًا يرى صحة ذلك العقد». انتهى.
ولتقرير هذه المسألة يمكن مراجعة الفتوى: 47816.
وإن أمكن تجديد العقد بمباشرة الولي أو وكيله، من غير مفسدة، فهو أحوط خروجًا من الخلاف. أما إن لم يقع العقد على وجه معتبر مما تقدم، فالواجب تجديده بعقد مستوفٍ لشروطه، يتولاه وليها أو وكيله بحضور شاهدين.
ومجرد حضور شيخ لا يكفي للجزم باستيفاء شرط الولي؛ فلا بد من معرفة صفته في العقد: هل كان وكيلًا عن الولي، أو قائمًا مقامه على وجه شرعي، أو أجرى العقد تقليدًا لقول معتبر؟ ولهذا ينبغي عرض كيفية العقد على جهة إفتاء موثوقة، ولو عن بُعد، لتحديد حكمه. ولا يلزم لتصحيح مسألة الولي إخبار الزوج بالزنا؛ بل يكفي بيان أن المقصود استيفاء شروط العقد والخروج من الخلاف.
رابعًا: أثر الزنا بعد الزواج.
وقوع الزوجة في الزنا بعد العقد لا يفسخ النكاح، ولا يوجب تجديده لهذا السبب، وإن كان ذنبًا عظيمًا وخيانة يجب التوبة منها.
قال ابن قدامة في المغني، في فصل حكم زنا أحد الزوجين: «وإن زنت امرأة رجل، أو زنى زوجها، لم ينفسخ النكاح، سواء كان قبل الدخول أو بعده، في قول عامة أهل العلم». انتهى. فحكم الزواج بالزانية ابتداءً ليس كحكم استمرار نكاحٍ وقع قبل الزنا.
وقد ذكرت أن هذه المرأة قطعت العلاقة المحرمة وتابت؛ فعليها الثبات على توبتها، وقطع أسباب العودة إلى المعصية، ولا تجعل ما وقع سببًا لهدم حياتها بعد إصلاحها.
خامسًا: هل تخبر زوجها بما وقع؟
لا يلزمها إخبار زوجها بما وقع قبل الزواج أو بعده، ولا يتوقف صدق توبتها على اعترافها له؛ بل تستر نفسها بستر الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين»، متفق عليه.
وقال ابن حجر في فتح الباري، في شرح أحاديث قصة ماعز: «يستحب لمن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى التوبة منها ولا يخبر بها أحدًا ويستتر بستر الله». انتهى.
وقد قررنا في فتاوى سابقة أن توبة المرأة من خيانة زوجها تكون مع الستر، ولا يلزمها إخباره، وإن كان حقه عظيمًا؛ فتجتهد في الإحسان إليه، وحفظ حقه، والدعاء له. ويتأكد اجتناب كشف الأمر مع ما تذكره من خشية القتل والفضيحة وتشتيت الأسرة. فالتوبة إصلاح لما بينها وبين الله، وليست مشروطة بتعريض نفسها وأسرتها لهذه المفاسد.
سادسًا: نسب الطفل.
ولدها منسوب إلى زوجها، ولا وجه لوصفه بأنه ولد زنا؛ فقد ذكرت أنها حملت به منه بعد انقطاع العلاقة المحرمة بسنوات. وعدم الاستبراء قبل الزواج لا ينفي نسبه، كما أن الخلاف في صحة العقد بسبب الولي لا يمنع إلحاقه بأبيه، ما دام الزواج قد وقع مع اعتقاد صحته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن المسلمين متفقون على أن كل نكاح اعتقد الزوج أنه نكاح سائغ إذا وطئ فيه فإنه يلحقه فيه ولده ويتوارثان باتفاق المسلمين، وإن كان ذلك النكاح باطلا في نفس الأمر باتفاق المسلمين.». انتهى.
فلا تجعل ولدها موضع شك، ولا تفتح باب الطعن في نسبه؛ فتصحيح العقد عند الحاجة إليه أمر، وثبوت نسب الولد أمر آخر.
سابعًا: معاشرة الزوج والامتناع منها.
إن كان العقد مما يُحكم بصحته على التفصيل السابق، فلا يجوز لها الامتناع من معاشرة زوجها -إذا طلبها- لمجرد الوساوس المتعلقة بذنب قد تابت منه، أو بعدم الاستبراء قبل سنوات.
أما إذا تبين أن العقد يحتاج إلى التصحيح لفقد الولي على الوجه المتقدم، فعليهما الكف عن المعاشرة إلى أن يجدد العقد. فالحكم يتبع حقيقة العقد، ولا يُبنى على مجرد الخوف والشك، ولذلك ينبغي حسم مسألة الولي بالسؤال عن تفاصيل العقد، ثم العمل بالفتوى المعتبرة دون الاسترسال مع الوساوس.
وننبهها إلى أن التوبة تتحقق بالإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم الصادق على عدم العودة إليه، إخلاصًا لله. فالعبرة بتحقق هذه المعاني، ولا يصح أن تجزم بانتفاء توبتها لمجرد أنها لم تكن تعرف شروط التوبة وتفصيلها. وفي المقابل، فمجرد الزواج بقصد الستر لا يغني عن التوبة مع بقاء الإصرار على المعصية.
ووصيتنا لها أن تجمع بين الندم على الماضي والرجاء فيما عند الله، وألّا تجعل ماضيها حاجزًا بينها وبين رحمته؛ فقد قال سبحانه بعد ذكر الشرك والقتل والزنا: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 70]. فلتقبل على الفرائض، ولتستكثر من الخير بما تطيق، ولتحفظ بيتها وولدها، وتشكر الله على أن أيقظ قلبها ووفقها للرجوع إليه.
ومع ما تصفه من خوف مستمر وأرق، ننصحها بالاستعانة بمختصة نفسية موثوقة، مع حسم المسألة الفقهية لدى جهة إفتاء معتبرة، وتجنب تكرار البحث الذي يزيد حيرتها. وإذا كان خطر الاعتداء عليها حقيقيًّا، فلتطلب حماية آمنة من جهة مختصة أو شخص مأمون، وألّا تعود إلى مكان تخشى فيه الاعتداء.
والله أعلم.