السؤال
ما حكم الأخذ بقول مركز الإفتاء الرسمي بدولة الإمارات، الآتي:
تقليد غير المسلمين في المباحات، لا حرج فيه؛ ومن قال بأنه يحرم تقليدهم في الأمور الدنيوية -ولو من غير قصد- فكلامه غير سديد، ورأيه مرجوح بعيد؛ لأن المنهي عنه هو التشبه بهم في المعاصي أو المحرمات، لا المباحات والعادات. وإن كان الأولى الكف عن التشبه بهم حتى بالعادات والمباحات، وحتى لو خلا القصد عن التشبه.
وإذا كان لا يجوز الأخذ بقولهم. فهذا يعني أن المسألة مجمع عليها، ومما علم من الدين بالضرورة. أليس كذلك؟
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنشكر لك تواصلك معنا، وكان ينبغي أن تسأل عن حكم المسألة، دون طلب التعليق على فتاوى جهات إفتاء أخرى، فليس من اختصاصا تقويم فتاوى جهات الإفتاء ومحاكمتها!
والذي يسعنا قوله هنا: أن محل النهي عن التشبه بالكفار في غير عباداتهم: إنما هو فيما كان مختصا بالكفار. أما ما انتشر بين المسلمين، ولا يتميز به الكفار؛ فإنه لا يدخل في النهي، وإن كان أصله مأخوذا من الكفار.
وليس المقصود بكون الشيء خاصا بالكفار أن يكون فيه إشعار بدينهم، أو نحو ذلك، بل المقصود بكونه خاصا بالكفار هو كما بينه الشيخ ابن عثيمين -رحمة الله تعالى- بقوله: التشبه بالكفار هو أن الإنسان يتزيا بزيهم في اللباس, أو في الكلام, أو ما أشبه ذلك, بحيث إذا رآه الرائي يقول: هذا من الكفار. أما ما يشترك فيه المسلمون والكفار، فهذا ليس تشبهاً, مثل: الآن لبس البنطلون للرجال لا نقول هذا تشبه؛ لأنه صار عادة للجميع. اهـ. من لقاء الباب المفتوح.
وراجع في هذا الفتوى رقم: 333835.
وأما عن افتقار التشبه المذموم بالكفار في العادات إلى قصد التشبه: فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، أن التشبه المنهي عنه في العادات لا يفتقر إلى قصد التشبه بهم، بل يقع بمجرد الموافقة في الصورة، بغض النظر عن قصد التشبه، كما تراه مبينا في الفتوى رقم: 132437.
لكن هناك طائفة من العلماء، ترى تقييد النهي عن التشبه بالقصد.
قال ابن نجيم في «البحر الرائق»: اعلم أن التشبيه بأهل الكتاب لا يكره في كل شيء، وإنا نأكل ونشرب كما يفعلون، إنما الحرام هو التشبه فيما كان مذموما، وفيما يقصد به التشبيه. كذا ذكره قاضي خان في شرح الجامع الصغير. اهـ.
ونقله عنه الحصكفي في الدر المختار، وابن عابدين في حاشيته رد المحتار، ثم قال: ويؤيده ما في الذخيرة قبيل كتاب التحري. قال هشام: رأيت على أبي يوسف نعلين مخصوفين بمسامير، فقلت: أترى بهذا الحديد بأسا؟ قال: لا. قلت: سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك لأن فيه تشبها بالرهبان! فقال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي لها شعر وإنها من لباس الرهبان". فقد أشار إلى أن صورة المشابهة فيما تعلق به صلاح العباد لا يضر، فإن الأرض مما لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلا بهذا النوع. اهـ.
وقال ابن حجر الهيتمي في «الفتاوى الكبرى الفقهية»: إن لم يقصد التشبيه بهم أصلا ورأسا فلا شيء عليه. اهـ.
والمسألة لا ريب أنها ليست من المعلوم من الدين بالضرورة، بل هي مسألة اجتهادية ظنية.
والله أعلم.