الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف

السؤال

كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى: "وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"؟
وبين الأحاديث الواردة في هذا الموضوع، ومنها: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ"، وحديث: "ثلاثةٌ حقٌّ على الله أن يُعِينهم"، وذُكِرَ منهم: الناكحُ يريد العفاف.
فهل يُقدِم الفقيرُ على الزواج، أو ينتظر حتى يُغنيه الله من فضله؟ فقد حثَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم العاجزين عن الزواج على الصوم، ولم يُخبرهم أن يتزوجوا في فقرهم.
وأيضًا: ما مقدار هذا الغنى الذي يستطيع أن يُقدِم فيه الشخص على الزواج، مع العلم بأحوال الغلاء في هذه الأيام، وكثرة التكاليف من المهور، والبيوت، والسيارات، وغيرها؟
بارك الله فيكم.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد حمل بعض المفسرين الخطاب في الآية الأولى، وهي قوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور: 32]، على أنه خطاب للأولياء في تزويج مولياتهم من النساء الأيامى، فلعل الله يغنيهن بتزويجهن من أكفائهن، هذا على اعتبار أن لفظ الأيم ينصرف عند الإطلاق إلى المرأة التي لا زوج لها، بينما حملوا الخطاب في الآية الثانية على أنه خطاب للرجال الذين لا يجدون مؤن النكاح، وهذا هو الذي جمع به ابن القيم في روضة المحبين بين الآيتين، فقال: إن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، قال في الآية الأخرى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} أمرهم بالاستعفاف إلى وقت الغنى، وأمر بتزويج أولئك مع الفقر، وأخبر أنه تعالى يغنيهم، فما محمل كل من الآيتين؟
فالجواب: أن قوله: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} في حق الأحرار، ‌أمرهم ‌الله ‌تعالى ‌أن ‌يستعفوا ‌حتى يغنيهم الله من فضله، فإنهم إن تزوجوا مع الفقر التزموا حقوقًا لم يقدروا عليها، وليس لهم من يقوم بها عنهم.
وأما قوله: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم}، فإنه سبحانه أمرهم فيها أن ينكحوا الأيامى، وهن النساء اللواتي لا أزواج لهن، هذا هو المشهور من لفظ الأيم عند الإطلاق، ...
فالآية الأولى في حكم تزوجهم لأنفسهم، والثانية في حكم تزويجهم لغيرهم... انتهى.

وأما على القول بأن لفظ الأيم يطلق على غير المتزوج رجلاً كان أو امرأة، فيحمل الأمر في الآية الأولى على من تمكن من الزواج مع فقره، وفي الآية الثانية يحمل الأمر بالاستعفاف للعاجز عن النكاح من أساسه.

قال ابن كثير في تفسيره: الأيامى: جمع أيم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له. وسواء كان قد تزوج ثم فارق، أو لم يتزوج واحد منهما، حكاه الجوهري عن أهل اللغة. انتهى، وهذا هو اختيار ابن جرير، وكثير من المفسرين.

قال ابن جرير في تفسيره: يقول تعالى ذكره: وزوّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له، من أحرار رجالكم ونسائكم، ومن أهل الصلاح من عبيدكم ومماليككم... (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ) يقول: إن يكن هؤلاء الذين تُنْكِحونهم من أيامى رجالكم ونسائكم وعبيدكم وإمائكم أهل فاقة وفقر، فإن الله يغنيهم من فضله، فلا يمنعنكم فقرهم من إنكاحهم... وأخرج عن ابن عباس أنه قال في تفسيرها: أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى... وعن عبد الله بن مسعود، قال: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). انتهى.

وأما سؤالك: هل يقدم الفقير على الزواج أو ينتظر حتى يغنيه الله من فضله؟ فالجواب: أن الفقير له حالات متعددة، منها ما يحرم عليه الزواج عند وجودها، ومنها ما يجب عليه بسببها، ومنها ما يستحب، ومنها غير ذلك، ونقتصر في الجواب على أهم ما يحصل به المقصود، ويعين على فهم ما سبقت الإجابة عليه، فنقول: إذا كان الفقير يخشى على نفسه الحرام، ولا يمكن دفع ذلك بالصوم، فإنه يجب عليه أن يسعى للزواج، لعله يجد من تتزوجه، وأما من لا يخشى بترك الزواج الوقوع في الحرام، ولكنه محتاج إليه، فإنه يستحب له عند الحنفية والشافعية، ولو بالاقتراض، وفي استحبابه نزاع في مذهب أحمد. وراجع التفصيل فيه في الفتوى: 394315.

وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: ومن لا مال له: هل يستحب أن ‌يقترض ‌ويتزوج؟ فيه نزاع في مذهب الإمام أحمد وغيره. انتهى.

وقال ابن مفلح في الفروع: والقول الثاني ظاهر كلام الإمام أحمد، فإنه قال: ‌يقترض ‌ويتزوج. انتهى.

وقال المرداوي في الإنصاف: قال الآمدي: يستحب في حق الغني والفقير، والعاجز والواجد، والراغب والزاهد، فإن أحمد تزوج وهو لا يجد القوت. وقيل: لا يتزوج فقير إلا عند الضرورة. انتهى.

ومذهب المالكية أن الفقير الذي لا يجد ما ينفق على زوجته، ولا يخشى الوقوع في الزنا يحرم عليه أن يقدم على الزواج، إذا كانت المرأة تتضرر بعدم نفقته عليها.

جاء في شرح الخرشي على مختصر خليل المالكي: ويحرم في حق من لم يخش ‌العنت، ويضر بالمرأة لعدم قدرته على النفقة. انتهى.

قال ميارة المالكي في شرحه: وقد يجب على من لا ينفك عن الزنا إلا به ... ويحرم على من لا يخاف العنت، وكان ‌يضر ‌بالمرأة؛ ‌لعدم ‌قدرته على الوطء، أو على النفقة، أو يكتسب من موضع لا يحل. انتهى.

والغنى في الآية ليس له مقدار ثابت في حق كل الناس، بل يختلف باختلاف أحوال الناس وطبقاتهم، وقدراتهم، وعاداتهم، ومجتمعاتهم، فليس له حد معين، فقد يكون الشيء اليسير جدًا في مجتمع يحصل به الغنى للزواج، بينما لا يحصل في مجتمع آخر بأضعاف مضاعفة منه، وأن من وجد المال اللازم لزواجه فهو بالنسبة له غنى؛ لأن عدم المال هو أغلب الموانع من النكاح في العادة، وراجع الفتويين: 273589، 58223.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني