السؤال
ما المعنى الإيجابي للحياة الذي ينبغي أن يفهمه الشباب المسلم؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالمعنى الإيجابي للحياة في الإسلام ليس مجرد (تفاؤل سطحي)، بل هو رؤية عميقة وشاملة تقوم على ركائز أساسية، وهي:
1- الحياة (رسالة) وليست (صدفة)، وأول معنى إيجابي يجب أن يستقر في قلب الشاب المسلم هو أن خلقه ووجوده في هذه الدنيا مراد لله عز وجل، فهو لم يوجد عبثاً، بل وُجد لغاية عظيمة، قال الله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: 115]، فهذا الشعور بالغاية يمنح العبد حصانة ضد العدمية والشعور بتفاهة الحياة التي يعاني منها كثير من الناس اليوم.
2- مفهوم العبادة الشامل الذي يتضمن تحقيق العبودية لله تعالى، وعمارة الأرض على وفق مراده، فالإيجابية في الإسلام تعني أن كل عمل صالح يقوم به المسلم سواء أكان دراسة، أم عملًا، أم مساعدة محتاج، حتى ابتسامته في وجه مسلم - هو عبادة يؤجر عليها إذا نوى بها الخير، وقصد بها التقرب إلى الله تعالى.
فالعبادة في الإسلام غير مقتصرة على الشعائر التعبدية الكبرى؛ كالصلاة والزكاة والصيام والحج، ونحن لم نُخلق لننزوي في المحاريب فقط، بل لنكون مستخلفين في أرض الله تعالى، هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: 61]. والمعنى الإيجابي هنا هو: أنّ أثر العبد في الدنيا هو جزء من دينه.
3- الاختبار فرصة للترقي (التفاؤل الواعي)، فالحياة ليست وردية دائماً، وهذا من واقعية الإسلام، والمعنى الإيجابي هنا هو إدراك أن البلاء ليس (انتقاماً)، بل هو (مختبر) لصناعة الرجال والنساء الأقوياء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرا له، رواه مسلم. وعندما يفهم الشاب أن الفشل في تجربة ما هو إلا محطة لتعلم الصبر أو لإعادة التوجيه، تتحول (المحنة) إلى (منحة)، قال الله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2].
4- التوازن بين الدنيا والآخرة؛ فالإيجابية في الإسلام لا تدعو لترك الدنيا، بل لامتلاكها في اليد لا في القلب، والمعنى الحقيقي هو أن يعيش المسلم في هذه الحياة الدنيا قوياً، وناجحاً، ومؤثراً، مبتغيا مرضاة الله، جاعلا عمله في الدنيا مطية للدرجات العلا في الآخرة: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص: 77]، فهذا التوازن يمنع الشاب المسلم من الغرق في المادية المهلكة، ويمنعه أيضاً من الانعزال السلبي عن المجتمع.
5- (الإحسان) معيار للجمال، والشاب المسلم يرى الجمال في (الإتقان)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه، رواه الطبراني في (الأوسط)، والمعنى الإيجابي هنا هو السعي نحو (الإحسان)، والتميز في كل شيء، فيكون الشاب المسلم أفضل مهندس، وأفضل طالب، وأفضل ولد، وليس ذلك من أجل الشهرة والعلو في الدنيا، بل لأن الله يحب الجمال والإتقان.
وفي الجملة: قيمة الإنسان بما يقدّم، والمعنى الإيجابي للحياة ليس في الاستهلاك أو اللهو فقط، بل في: العطاء، والأثر، والنفع للناس. والمسلم لا ينظر للحياة كحمل ثقيل، بل كـ(مزرعة) لدار البقاء، وكل جهد يبذله لتطوير نفسه ونفع أمته - هو لبنة في قصره في الجنة!
والله أعلم.
بحث عن فتوىيمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني