الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أقوال الفقهاء في القيح والصديد

السؤال

أثبت الطب الحديث أن القيح (الصديد) ليس «دمًا فاسدًا» كما كان يُعتقد قديمًا، بل هو عبارة عن خلايا مناعية بيضاء ميتة وبقايا ميكروبات، ولا يحتوي على مكوّنات الدم الأساسية. فبما أن عِلّة الحكم بنجاسته عند بعض الفقهاء كانت مبنية على اعتباره دمًا متغيّرًا أو مستحيلًا، فهل انتفاء هذه العِلّة علميًّا يغيّر الحكم الشرعي ليصبح القيح طاهرًا؟
جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فما ذكره السائل لا ينقض قول جمهور الفقهاء القائلين بنجاسة القيح والصديد؛ لأن الخلايا المناعية البيضاء ما هي إلا جزء من مركبات الدم، فهي كريات الدم البيضاء.

ثم إن هؤلاء الفقهاء لا يعللون بالاستحالة عن الدم فقط، بل عندهم علة أخرى، وهي كون القيح والصديد مما يستخبث ويستقذر طبعًا.

قال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: هذه العلة -يعني الاستقذار- تقتضي النجاسة، ‌ما ‌لم ‌يعارضها ‌معارض، ‌كمشقة التكرار في نحو المخاط والبصاق. اهـ.

وذكر الكاساني في بدائع الصنائع أنواع النجاسات الخارجة من البدن، ومنها الصَّدِيدِ، وعلل ذلك فقال: لأن الواجب بخروج ذلك مسمى بالتطهير، قال الله تعالى في آخر آية الوضوء: {ولكن يريد ليطهركم} ... والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة.
وقال تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث}، والطباع السليمة تستخبث هذه الأشياء، والتحريم -لا للاحترام- دليل النجاسة، ولأن معنى النجاسة موجود في ذلك كله، إذ النَّجِسُ اسم لِلْمُسْتَقْذَرِ، وكل ذلك مما تستقذره الطباع السليمة؛ لاستحالته إلى خبث وَنَتْنِ رائحة.
ولا خلاف في هذه الجملة إلا في المني، فإن الشافعي زعم أنه طاهر.
اهـ.

وعلى أية حال؛ فنجاسة القيح والصديد محل خلاف بين أهل العلم، والقول بعدم النجاسة قول وجيه معتبر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: ولا يجب غسل الثوب والبدن من المذي، والقيح، ‌والصديد، ولم ‌يقم ‌دليل على نجاسته، وحكى أبو البركات عن بعض أهل العلم طهارته. اهـ.

ونقل ابن القيم ذلك في إغاثة اللهفان، ثم قال: وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- لا ينصرف منه في الصلاة، وينصرف من الدم. وعن الحسن نحوه.
وسئل أبو مجلز عن القيح يصيب البدن والثوب؟ فقال: ليس بشيء، إنما ذكر الله الدم ولم يذكر القيح.
وقال إسحاق بن راهويه: كل ما كان سوى الدم، فهو عندي مثل العرق المنتن وشبهه، ولا يوجب وضوءًا.
وسئل أحمد -رحمه الله-: الدم والقيح عندك سواء؟ فقال: لا، الدم لم يختلف الناس فيه، والقيح قد اختلف الناس فيه.
وقال مرة: القيح ‌والصديد والمِدة عندي أسهل من الدم.
اهـ.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني