السؤال
والدي ظالم، سبب لنا مشاكل كثيرة، فقد كان يعنّف والدتي منذ كنّا صغارًا، وكان البيت مليئًا بالمشاكل دائمًا، وقد ضرب أختي وأخي ونحن صغار، وكان ينفق على البيت، ثم بعد ذلك قطع النفقة.
توظّفتْ أمّي، وجهّزت البيت، واشترت الأثاث، وكانت تنفق على الأكل والشرب والمواصلات والعيادات، وعندما كبرنا كنت أراه يتصل بالنساء، ويقيم علاقات حب وغرام أمام والدتي اليتيمة، وأحيانًا مع عاهرات.
وفي النهاية تزوّج زواجًا ثانيًا، وباع البيت، وباع أملاكًا أخرى، واشترى لزوجته بيتًا جديدًا وسيارة، ولم يعطنا شيئًا، وسكنّا بالإيجار أنا ووالدتي، وكانت تنفق علينا وعلى نفسها طوال الوقت.
تزوّج في بيتنا القديم الذي كنّا نسكن فيه، وكان أغلب الأثاث من أمّي، فأخذه كلّه، فتألّمت أمّي كثيرًا، ونتيجة لذلك ارتفع ضغطها، وأصيبت بفشل كلويّ، وكانت تذهب لجلسات الغسيل حتى توفاها الله تعالى -رحمها الله برحمته الواسعة-.
وكان لأمّي إرث، فاشترت لنا بيتًا، وأمّنتنا فيه، واشترت لنا سيارة بمالها الخاص، وخلال كل هذه السنوات لم يسأل والدي عنا، ولم يحضر عزاء والدتي الحبيبة، ولا اتصل هاتفيًّا.
والآن -بعد سنوات- يريد الصلح والعفو، ويقول: إنه يحبّنا ويريدنا، وأنه لم يكن سببًا في موت والدتنا؛ رغم أنه كان السبب في كل التعب الذي حصل لها، وقد قرّرت أختي وأخي أن يصالحاه ويزوراه، لكن قلبي مغلق تجاهه، ولا أستطيع أن أراه أبدًا؛ لأنني رأيت أمّي حزينة دائمًا تبكي بسبب ما عانته من تعنيف وظروف صعبة.
لا أستطيع تقبّل رؤيته، فقلبي مغلق تمامًا من ناحيته، وكأنه عدوي اللدود، فهل عليّ إثم يوم القيامة؟ لأن الله يعلم أن هذا ليس بيدي؛ فقلبي لا يستطيع تقبّله أبدًا.
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنسأل الله أن يغفر لوالدكم، وأن يرحم أمّكم، ويتقبّل منها ما عملت من الطاعات، وأن يلهمكم الصبر، ويحسن عزاءكم فيها، وأن يعينكم على برّها بعد موتها.
واعلمي أن حقّ الوالد في الإسلام عظيم، فبرّه من أعظم الطاعات، وعقوقه من أعظم المنكرات؛ فلا يجوز لك أن تقاطعيه، أو تمتنعي من الاتصال به، فقد بيّن الشارع أن قطع الرحم من الفساد في الأرض، قال تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد: 22-23].
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك، قالت: بلى، قال: فذاك لك.
وروى مسلم عن جبير بن مطعم -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخل الجنة قاطع رحم.
وتذكّري أن ما زعمت عنه من اتّصافه بالظلم، وغير ذلك من الصفات التي وردت في السؤال -على فرض حصولها منه- فلن تكون تلك الزلّات أعظم جرمًا من الكفر بالله عزّ وجلّ؛ ومع ذلك، أوجب الله البرّ بالوالد الكافر، فقد قال الله عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت: 8]، وقال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان: 14-15].
وينبغي أن تجمعوا مع البرّ بالوالد نصحه، ونهيه عن المنكر، وتحريضه على التوبة، وتذكيره بالله واليوم الآخر، ولكن بالرفق، واللين، وبالتي هي أحسن، وأكثروا الدعاء له بالهداية، والصلاح، واحرصوا على ما تيسّر من الإحسان إليه، فقد قال الله تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن قرابته الذين يصلهم ويقطعونه، ويحسن إليهم ويسيؤون إليه، ويحلم عليهم ويجهلون عليه، قال له: لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفّهم الملّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك. رواه مسلم.
وأما عن البُغْض القلبيّ الذي تكنّينه؛ فلا مؤاخذة عليك فيه، ما دامت هذه المشاعر لم تصحبها إساءة ظاهرة له؛ فالشخص لا يحاسب على ما حدث في قلبه؛ مما لا يملك دفعه، ففي الصحيحين، وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها، ما لم تتكلّم، أو تعمل به.
وراجعي الفتوى: 135885.
والله أعلم.