السؤال
والدتي تتعب كثيرًا في البيت، بالإضافة إلى أنها تخرج للسوق وتشتري حاجات المنزل حتى توفر في المال، لأن وضعنا المادي ليس ميسورًا جدًا. وأنا أقدّر تعبها وأعرف أنها تبذل جهدًا كبيرًا من أجلنا. لكنني طالبة جامعية أدرس الهندسة، ودراستي صعبة، وحاليًا أصبحت الدراسة إلكترونية، ولذلك تحتاج مني وقتًا وتركيزًا كبيرين. وفي الفترة الأخيرة أصبحت والدتي تطلب مني بشكل متكرر أن أترك دراستي وأقوم بأعمال البيت؛ مثل ترتيب المنزل، ونشر الغسيل، والقيام بأعمال أخرى، وأحيانًا أشعر أن أعمال المنزل أصبحت بالنسبة لها مقدمة على دراستي، حتى لو كنت أدرس أو لدي محاضرات أو امتحانات.
أنا لا أرفض مساعدة أمي، ولا أريد أن أتعبها أو أقصر في حقها، وأحاول أن أساعدها قدر استطاعتي، لكن كثرة طلبات المنزل تؤثر على دراستي، وأشعر أحيانًا أنني مطالبة بأن أكون متاحة لأعمال البيت في أي وقت، حتى أثناء الدراسة، مع أن دراستي هي التي ستحدد مستقبلي بإذن الله. والذي يحيرني أكثر أن والدتي لم تكن بهذا الشكل سابقًا؛ كانت أهدأ في هذا الموضوع، وكانت تحب أن تقوم بأعمال المنزل بنفسها، لكن منذ أن أصبحت في السنة الثالثة من الجامعة تغيرت وأصبحت تطلب مني المشاركة في أعمال البيت بشكل أكبر، وهذا يؤدي إلى نزاعات بيننا، وأحيانًا أشعر بالضغط والضيق، ثم أندم لأنني لا أريد أن أعق والدتي أو أؤذيها. فما حكم الشرع في هذه الحالة؟ وهل يجب عليّ أن أقدم طلبات والدتي في أعمال المنزل على دراستي الجامعية، حتى لو كان ذلك يؤثر على دراستي ومستقبلي؟ وما حدود برّي بها ومساعدتي لها في هذه الحالة؟ وهل يحق لي أن أعتذر عن بعض الأعمال أثناء المحاضرات أو وقت الدراسة والامتحانات، أم يعتبر ذلك عقوقًا؟ أرجو توجيهي إلى التصرف الذي يرضي الله تعالى ويحفظ حق والدتي، وفي الوقت نفسه لا يضيّع دراستي ومستقبلي. وجزاكم الله خيرًا.
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فحق الأمّ على أولادها عظيم، وبرّها وطاعتها في المعروف؛ من أوجب الواجبات ومن أفضل القربات، كما أنّ عقوقها من أكبر الكبائر.
فالواجب عليك برّ أمّك والإحسان إليها، واستعيني بالله تعالى وجاهدي نفسك على ذلك، فإذا أمرتك بعمل من أعمال البيت فعليك طاعتها ولو كان فيه بعض المشقة، ولا تجوز لك معصيتها فيه إلا إذا كان عليك فيه ضرر.
قال ابن تيمية -رحمه الله-: ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية، وإن كانا فاسقين، وهو ظاهر إطلاق أحمد، وهذا فيما فيه منفعة لهما، ولا ضرر، فإن شق عليه، ولم يضره، وجب، وإلا فلا. انتهى من الفتاوى الكبرى.
وإذا كانت أمّك تتأذى من مخالفتك لها فيما تأمرك به وليس عليك فيه ضرر؛ فامتناعك عن مساعدتها في هذه الحالة قد يدخل في العقوق الذي هو من أكبر الكبائر.
قال الهيتمي -رحمه الله- في الزواجر عن اقتراف الكبائر: كما يعلم من ضابط العقوق الذي هو كبيرة، وهو أن يحصل منه لهما أو لأحدهما إيذَاءٌ ليس بِالْهَيِّنِ أي عُرْفًا، وَيُحْتَمَلُ أن العبرة بِالْمُتَأَذِّي. انتهى.
والمطلوب منك تنظيم أوقاتك بين المذاكرة وسائر واجباتك وأعمالك مع مراعاة ترتيب الأولويات، بحيث تجمعين بين برّ أمّك وطاعتها في القيام بالأعمال المنزلية وبين دراستك وسائر واجباتك، واحرصي على التفاهم مع أمّك بأدب ورفق وبيان ما عليك من أعباء الدراسة، فإن تفهمت أمّك ذلك وعذرتك في ترك بعض الأعمال المنزلية فلا حرج عليك في ذلك.
قال الهيتمي -رحمه الله- في الفتاوى الفقهية الكبرى: فليحترز الولد من مخالفة والده، فلا يقدم عليها اغترارًا بظواهر ما ذكرنا، بل عليه التحري التام في ذلك والرجوع لمن يثق بدينهم وكمال عقلهم، فإن رأوا للوالد عذرًا صحيحًا في الأمر أو النهي، وجبت عليه طاعته، وإن لم يروا له عذرًا صحيحًا، لم يلزمه طاعته، لكنها تتأكد عليه حيث لم يترتب عليها نقص دين الولد وعلمه أو تعلمه.
والحاصل؛ أن مخالفة الوالد خطيرة جدًا، فلا يقدم عليها إلا بعد إيضاح السبب المجوز لها عند ذوي الكمال. انتهى.
واعلمي أنّ خدمة الوالدة والسعي في استرضائها والإحسان إليها؛ من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله وأعجلها وأرجاها ثواباً وبركة في الرزق والعمر، ومن أعظم أسباب التوفيق والسداد، ومن أيسر الطرق إلى الجنة، ففي الأدب المفرد للبخاري عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع هذا الباب أو احفظه. رواه ابن ماجه والترمذي.
وفيه أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما: ..إني لا أعلم عملاً أقرب إلى الله عز وجل من بر الوالدة.
والله أعلم.