السؤال
لي صديقة، يشهد الله أني أحببتها من قلبي، ولكن كانت تحدث بيننا نزاعات متكررة، وكانت تبدأ غالبًا من طرفها بتوجيه اتهامات كبيرة إليَّ لم أفعلها ولم أرتكبها. وفي إحدى المرات تجدد الخلاف، ووجَّهت إليَّ اتهامات باطلة، ومع ذلك لم أرد أن تنقطع العلاقة بيننا، فرغم ما شعرت به من ألم بسبب الظلم الذي وقع عليَّ، بادرت إلى الصلح؛ عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». فهل أُؤجر على هذا الفعل؟ وهل يُعد بدئي بالصلح -مع أنني غير مخطئة ولم أفعل ما اتهمتني به- نوعًا من الضعف؟ خاصة أن معاملتها لي سيئة، ولم يصدر مني تجاهها أي إساءة، والله يعلم ما في قلبي من محبة لها. وهل يحاسبها الله على هذا الظلم الذي وقع عليَّ، حتى لو سامحتها؟ وهل يلحقني إثم القطيعة إذا تجنبتها بعد محاولاتي للإصلاح والصلح؟
وجزاكم الله خيرًا.
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد أحسنتِ في مبادرتك بالصلح والسلام، وتجاوزك عن الإساءة، فأجرك عظيم، وثوابك جزيل -إن شاء الله- فقد قال الله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى: 40]، ونلت بذلك شرف الخيرية التي نبه عليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. رواه البخاري ومسلم.
وليس البدء بالصلح والعفو عن المسيء ضعفاً أو مذلة، بل هو من قوة الإيمان، وكمال المروءة والشجاعة، وضبط النفس في مواجهة تحريش الشيطان، ولا يزيدك ذلك إلا عزًا؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله. رواه مسلم.
وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه، قال: فأما الثلاث الذي أقسم عليهن؛ فإنه ما نقص مال عبد صدقة، ولا ظلم عبد بمظلمة فيصبر عليها إلا زاده الله عز وجل بها عزًا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر.
وأما اتهامها لك بما لم تفعلي؛ فهو ظلم عظيم، وبهتان محرم؛ فقد قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: 58].
فإذا تنازلت عن حقك بالعفو والمسامحة؛ فقد نلت بذلك الأجر والثواب، وسقطت مطالبتها به، وبقي عليها حق الله تعالى، فإنها تحاسب على معصيتها لله تعالى بالإقدام على الظلم والبهتان، ما لم تتب من ذلك توبة نصوحاً، وتقلع عن هذا السلوك المؤذي.
وإذا كانت الصداقة، أو المخالطة تجلب لكِ أذى نفسياً متكرراً، أو ظلماً، أو اتهامات باطلة؛ فلا حرج عليكِ في تجنبها، والابتعاد عنها بتقليص العلاقة، ووضع حدود تمنع تجدد النزاعات والاتهامات، مع الاكتفاء برد السلام إذا التقيتما، أو بأدنى درجات المعاملة الحسنة، دون التوسع في الاختلاط، ولا إثم عليكِ في ذلك بعد بذل محاولات الإصلاح.
قال ابن عبدالبر في التمهيد: وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، إلا أن يكون يخاف من مكالمته وصلته ما يفسد عليه دينه، أو يولد به على نفسه مضرة في دينه أو دنياه، فإن كان ذلك فقد رخص له في مجانبته وبعده، ورب صرم جميل خير من مخالطة مؤذية. اهـ.
وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: يسن هجر من جهر بالمعاصي الفعلية والقولية والاعتقادية، قال أحمد في رواية حنبل: إذا علم أنه مقيم على معصيته لم يأثم إن هو جفاه، حتى يرجع، وإلا كيف يتبين للرجل ما هو عليه إذا لم ير منكرًا، ولا جفوة من صديق. اهـ.
والله أعلم.