الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي، المتعلق بشأن خطاب الضمان: بعد النظر فيما أعد في خطاب الضمان من بحوث ودراسات، وبعد المداولات والمناقشات المستفيضة التي تبين منها...
ثانيًا: إن الكفالة هي عقد تبرع يقصد به الإرفاق والإحسان، وقد قرر الفقهاء عدم جواز أخذ العوض على الكفالة؛ لأنه في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض الذي جرّ نفعًا على المقروض، وذلك ممنوع شرعاً.
قرر ما يلي:
أولاً: إن خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان -والتي يراعي فيها عادة مبلغ الضمان ومدته- سواء أكان بغطاء أم بدونه. اهـ.
وجاء نحو ذلك أيضا في المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المراجعة والمحاسبة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية، وقد سبق نقله في الفتوى: 434737.
وإذا حرم الاعتياض عن الضمان نفسه، فبطريق الأولى ينسحب هذا الحكم على (قوة الضمان)، كما سماه صديق السائل، حتى ولو لم يصرف المسيِّل (المونيتيزر) الضمان، وتركه دون استخدام إلى نهاية مدته.
وإذا حرمت المعاملة، فلا يجوز التوسط في إتمامها ولا أخذ عمولة عليها، لما في ذلك من الإعانة على الإثم، وقد قال تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: 2].
قال ابن بطال في «شرح صحيح البخاري»: المعونة على معاصي الله، وما يكرهه الله، للمعين عليها من الوزر، والإثم مثل ما لعاملها، ولذلك نهى الرسول عن بيع السيوف في الفتنة، ولعن عاصر الخمر، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وكذلك سائر أعمال الفجور. اهـ.
وقال المازري في المعلم بفوائد مسلم: المعونة على ما لا يحل لا تحل، وقال الله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وقد جعل الدال على الخير كفاعله، وهكذا الدال على الشر كفاعله. اهـ. وانظر الفتوى: 411019.
والقاعدة: أن ما حرم فعله، حرمت أجرته وثمنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عزّ وجلّ إذا حرم أكل شيء، حرم ثمنه. رواه أحمد، وأبو داود، وصححه الألباني.
قال ابن عقيل في «كتاب الفنون»: لا شك أن من مذهب أحمد تحريم عوض كل محرم ...
واستدل في تحريم عوض الحرام بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود! حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، إن الله إذا حرّم شيئًا حرم ثمنه. اهـ.
وقال القرافي في الذخيرة: المنافع المحرمة لا تقابل بالأعواض. اهـ.
وقال ابن رشد في «بداية المجتهد»: أما المنفعة: فينبغي أن تكون من جنس ما لم ينه الشرع عنه، وفي كل هذه مسائل اتفقوا عليها واختلفوا فيها، فما اجتمعوا على إبطال إجارته: كل منفعة كانت لشيء محرم العين، كذلك كل منفعة كانت محرمة بالشرع. اهـ.
وعلى ذلك؛ فهذه العمولة لا تحل لآخذها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى): ما في الوجود من الأموال المغصوبة والمقبوضة بعقود لا تباح بالقبض، إن عرفه المسلم اجتنبه. اهـ.
وعليه أن يتخلص منها بإنفاقها في أبواب الخير، أو إعطائها للفقراء والمساكين، وإن كان هو فقيرًا، ولا يجد غيرها لنفقته اللازمة، جاز له عندئذ أن يأخذ ما يكفي حاجته منها؛ أسوة ببقية الفقراء، وراجع في ذلك الفتاوى: 66661، 41720، 55328.
والله أعلم.