الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
الأصل في سفر المرأة بغير محرم هو الحرمة، ويستثنى من ذلك بعض الأحوال التي يرخص لها في السفر دون محرم. وراجع في ذلك الفتويين: 173887، 173927.
وإذا حرم عليها السفر، فلا يجوز لها الترخص برخص السفر، كالقصر والجمع، والفطر في رمضان، عملًا بقول الجمهور -خلافًا للحنفية- في أن سفر المعصية لا تستباح به الرخص.
قال البغوي في «التهذيب في الفقه الشافعي»: الأخذ بالرُّخصة إنما يجوز إذا كان سفره طاعةً، أو كان مباحاً -كتجارة، أو نزهة، أو زيارة، أو نحوها-، فإن كان سفره معصية، مثل أن خرج لقطع الطريق، أو هرب العبد من مولاه، أو المرأة من زوجها، أو هرب من غريمه مع القدرة على أداء حقه، فلا رخصة له في هذا السفر. اهـ. فذكر من أمثلة سفر المعصية: سفر المرأة دون إذن زوجها.
وكذلك قال النووي في منهاج الطالبين: لا يترخص العاصي بسفره كآبق وناشزة. اهـ.
وقال زكريا الأنصاري في توضيح شرح المنهج في بيان شروط القصر: (جوازه فلا قصر كغيره) من بقية رخص السفر (لعاص به)، ولو في أثنائه، كآبق وناشزة. اهـ.
قال الجمل والبجيرمي في حاشيتهما على شرح المنهج: (قوله: وثانيها جوازه) لا يقال هذا يغني عنه قوله السابق: لغرض صحيح؛ لأنا نقول: لا تلازم بين صحة الغرض والجواز، فإن سفر المرأة للتجارة بغير إذن زوجها سفر لغرض صحيح، لكنه غير جائز. اهـ.
وقد ذكر المالكية والحنابلة أيضًا في أمثلة سفر المعصية أو العاصي بسفره: العبد الآبق.
وذكروا أيضًا سفر العاق، كما قال التتائي في «جواهر الدرر»: لا يقصر العاصي به، كعاق، وقاطع طريق، ونحوهما. اهـ.
وإذن الشرع أولى بالاعتبار من إذن الزوج والوالد والسيد، والشرع لم يأذن للمرأة في السفر دون محرم، بل نهاها عنه.
قال النفراوي في «الفواكه الدواني»: من الشروط كون السفر غير منهي عنه، كما نبهنا عليه، فلا يقصر العاصي، ولا اللاهي. اهـ.
وهذا يدخل تحت الضابط العام لسفر المعصية عندهم، وهو ما كان تعاطيه في نفسه حرامًا، فلا تستباح به الرخصة، وسفر المرأة بغير محرم حرام.
قال السيوطي في «الأشباه والنظائر»: معنى قولنا: "الرخص: لا تناط بالمعاصي" أن فعل الرخصة متى توقف على وجود شيء، نظر في ذلك الشيء، فإن كان تعاطيه في نفسه حرامًا، امتنع معه فعل الرخصة، وإلا فلا، وبهذا يظهر الفرق بين المعصية بالسفر والمعصية فيه.
فالعبد الآبق، والناشزة، والمسافر للمكس، ونحوه، عاص بالسفر، فالسفر نفسه معصية، والرخصة منوطة به مع دوامه، ومعلقة ومترتبة عليه ترتب المسبب على السبب، فلا يباح.
ومن سافر سفرا مباحًا، فشرب الخمر في سفره، فهو عاص فيه، أي مرتكب المعصية في السفر المباح، فنفس السفر: ليس معصية، ولا آثمًا به، فتباح فيه الرخص؛ لأنها منوطة بالسفر، وهو في نفسه مباح.
ولهذا جاز المسح على الخف المغصوب، بخلاف المحرّم؛ لأن الرخصة منوطة باللبس، وهو للمحرّم معصية، وفي المغصوب ليس معصية لذاته، أي لكونه لبسًا، بل للاستيلاء على حق الغير، ولذا لو ترك اللبس، لم تزل المعصية، بخلاف المحرّم. انتهى.
وسفر المرأة بغير محرم هو ذاته حرام، ولا تزول حرمته إلا بعدم السفر، بخلاف المتبرجة في سفرها، فإنها إن تسترت زال إثمها، وبقي سفرها على جوازه، فإثمها مقارن لسفرها الذي هو سبب الرخصة، وأما غير ذات المحرم، فسفرها نفسه معصية، وليس مقارنًا لمعصية.
وقد قال القرافي في «الفروق» بعد قاعدة الفرق بين المقاصد والوسائل: تفرع على هذا الفرق فرق آخر، وهو الفرق بين كون المعاصي أسبابًا للرخص، وبين قاعدة مقارنة المعاصي لأسباب الرخص، فإن الأسباب من جملة الوسائل، وقد التبست هاهنا على كثير من الفقهاء، فأما المعاصي فلا تكون أسبابًا للرخص، ولذلك العاصي بسفره لا يقصر ولا يفطر؛ لأن سبب هذين السفر وهو في هذه الصورة معصية، فلا يناسب الرخصة؛ لأن ترتيب الترخص على المعصية سعي في تكثير تلك المعصية بالتوسعة على المكلف بسببها.
وأما مقارنة المعاصي لأسباب الرخص، فلا تمتنع إجماعًا، كما يجوز لأفسق الناس وأعصاهم التيمم إذا عدم الماء وهو رخصة، وكذلك الفطر إذا أضر به الصوم، والجلوس إذا أضر به القيام في الصلاة، ويقارض، ويساقي، ونحو ذلك من الرخص، ولا تمنع المعاصي من ذلك؛ لأن أسباب هذه الأمور غير معصية، بل هي عجزه عن الصوم ونحوه، والعجز ليس معصية، فالمعصية هاهنا مقارنة للسبب، لا سبب، وبهذا الفرق يبطل قول من قال: إن العاصي بسفره لا يأكل الميتة إذا اضطر إليها؛ لأن سبب أكله خوفه على نفسه لا سفره، فالمعصية مقارنة لسبب الرخصة، لا أنها هي السبب ... اهـ.
وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه»: وكذا من سافر سفر معصية لا يرخص ترخيص الله من القصر والجمع، وغير ذلك.
وقد أورد ابن عدي في ترجمة الحكم بن عبد الله الأيلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا يقصرون الصلاة: التاجر في أَفَقِه، والمرأة تزور غير أهلها، والراعي"، والشاهد في هذا المرأة تزور غير أهلها لا تقصر؛ لأنها عاصية بسفرها، لكن الحكم هذا كذاب، متهم بالوضع. اهـ.
وقد نسب الحنفية للشافعي القول بعدم جواز الترخص في السفر للمرأة إذا سافرت بغير محرم.
قال الزيلعي في تبيين الحقائق: قال الشافعي رحمه الله: سفر المعصية لا يفيد الرخصة. اهـ.
وقال الشِّلْبِيُّ في حاشيته: صورته -يعني سفر المعصية عند الشافعي- من سافر بنية قطع الطريق، أو البغي على الإمام العادل، أو التمرد على المولى بأن أبق العبد، أو خرجت المرأة بغير محرم، أو نساء ثقات، وما أشبه ذلك. اهـ.
وهذا يوافق مفهوم قول الشافعي في أحكام القرآن: فأما من خرج باغيًا على مسلم، أو معاهدًا، أو يقطع طريقًا، أو يفسد في الأرض، أو العبد يخرج آبقًا من سيده، أو الرجل هاربًا ليمنع دمًا لزمه، أو ما في مثل هذا المعنى، أو غيره من المعصية، فليس له أن يقصر. اهـ.
والله أعلم.