الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلا مانع من سؤال العبد ربه -سبحانه وتعالى- رضوانه في الدنيا والآخرة؛ بل إن أسمى وأعظم مطلب المؤمن أن يرضى الله عنه في الدنيا والآخرة، وأي منزلة ينالها العبد أكبر من منزلة رضوان الله عنه؛ لأنه إذا رضي عنه، حصل له كل أصناف التكريم والنعيم.
ورضوان الله على الصالحين من عباده يحصل لهم في الدنيا، ويحصل لهم في الآخرة، وأصحاب هذه المنزلة يتنعمون بها.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتهل إلى ربه في سجوده أن يرضى عنه، كما في المسند وصحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: فقدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك. وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
وقد أخبرنا الله سبحانه أنه رضي عن الصحابة وهم أحياء يمشون على ظهر الأرض، قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: 18]. و"إذ" تفيد حصول الرضوان وقت المبايعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: ... بين أنه رضي عنهم هذا الوقت، فإن حرف [إذ] ظرف لما مضى من الزمان، فعلم أنه ذاك الوقت رضي عنهم بسبب ذلك العمل، وأثابهم عليه، والمسبب لا يكون قبل سببه، والموقت بوقت لا يكون قبل وقته، وإذا كان راضيًا عنهم من جهة، فهذا الرضى الخاص الحاصل بالبيعة لم يكن إلا حينئذ. انتهى.
وقال سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 100].
قال ابن جرير: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه، وأجابوا نبيّه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه. انتهى.
ورضوان الله في الآخرة هو كمال نعيمهم في الجنة، وهو أعظمه وأفضله، ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقول: لأهل الجنة: يا أهل الجنة، يقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا.
فرضوانه سبحانه من أعظم النعيم، وحصوله للعبد هو أكبر مما سواه من النعيم، سواء كان ذلك في الدنيا أم في الآخرة، ولذا؛ قال سبحانه: وعد اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 72].
قال الزمخشري في الكشاف -عند تفسيرها-: لأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه، فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم، وإنما يتهنأ له برضاه، كما يتنغص عليه بسخطه، ولم يجد لها لذة وإن عظمت. انتهى.
الله أعلم.