الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فغرامة المخالفات المرورية تندرج تحت مسألة التعزير بالمال، وهي محل خلاف بين أهل العلم.
وقد أخذ مجمع الفقه الإسلامي بجوازه، فجاء في قراره المتعلق بشأن حوادث السير: مما تقتضيه المصلحة أيضاً: سنّ الأنظمة الزاجرة بأنواعها، ومنها التعزير المالي لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور؛ لردع من يُعرّض أمن الناس للخطر في الطرقات والأسواق من أصحاب المركبات ووسائل النقل الأخرى، أخذًا بأحكام الحِسْبة المقررة. اهـ.
وفي هذا إشارة إلى التكييف الشرعي، أو المدخل الفقهي للغرامة المرورية، وأنها من باب العقوبة التعزيرية.
ومن يجيز التعزير بالمال من أهل العلم، ذكر من أمثلته: إحراق متاع الغالِّ، وهو الذي يكتم شيئًا من الغنيمة في الحرب.
قال ابن القيم في الطرق الحُكْمِية: وأما التعزير بالعقوبات المالية، فمشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك وأحمد، وأحد قولي الشافعي، وقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه بذلك في مواضع ... مثل: تحريق متاع الغالّ. اهـ.
وهذا من باب العقوبة التعزيرية، ومن المقرر أن العقوبة تسقط بموت من يستحقها؛ ولذلك نصوا على أن الغالَّ إذا مات قبل تحريق متاعه، فإنه لا يحرق.
قال ابن قدامة في الكافي: ومن غلَّ من الغنيمة .. وجب إحراق رَحْلِه ... وإن مات قبل إحراق متاعه، لم يحرق؛ لأنه عقوبة، فسقط بموته، كالحد. اهـ.
وقال في المغني: إن مات قبل إحراق رحله، لم يحرق. نص عليه أحمد؛ لأنه عقوبة، فتسقط بالموت، كالحدود، ولأنه بالموت انتقل إلى ورثته، فإحراقه عقوبة لغير الجاني. اهـ.
وقال الماوردي في الحاوي الكبير: العقوبات تسقط بالموت، كالحدود. اهـ.
ففي هذه النقول نص على أن العقوبة تسقط بالموت، إذ لا يسوغ أن يعاقب بها غير الجاني، وهم الورثة.
ولذلك نرى أن من عليه غرامة مخالفة مرورية -كركن السيارة في مكان غير مرخص- فمات؛ أنها تسقط عنه، ولا تبقى في ذمته، ولا تتعلق بتركته؛ لأنها في الحقيقة عقوبة تعزيرية شخصية، أي إن أثرها يقتصر على شخص المخالف، ولا يتعداه إلى غيره؛ كورثته.
وإذا سقطت الغرامة بالموت، فأحرى أن تسقط الزيادات التي أضيفت عليها.
لكن إذا كانت المخالفة تتعلق بالمركبة ذاتها، فتسجل عليها بغض النظر عن شخص مالكها، ويمنع القانون تجديد رخصتها، ويَحُول دون الانتفاع بها بيعا أو هبة ونحو ذلك، حتى يدفع ما عليها من غرامة. ففي هذه الحال تؤدى من أجل التصرف في العين المتعلقة بها إن شاء الورثة ذلك، ولا تعلق لها بذمة الميت.
والله أعلم.