حكم حرمان الأم من الهبة لأحد أولادها لكونها صرفت عليه زمنا طويلا

30-7-2026 | إسلام ويب

السؤال:
أمّي على قيد الحياة، وقد كتبت شقة تمتلكها لثلاثة إخوة (وهم: ابنان، وبنت)، ومنعت الرابع، وقالت: إنه أخذ حقّه عن طريق صرفها عليه كل ما يقرب من عشرين سنة؛ فهو لا يعمل، وقد أُصيب باكتئاب حادّ ثنائي القطبين، وتعتقد أنه هو سبب ذلك؛ لتعمّده عدم أخذ الأدوية، فهل أمّي آثمة في منع أخي من الاشتراك في الشقة؟ وقد كانت تريد كتابة الشقة وتوزيع أنصبة التملك كميراث، ولكن موظف الشهر العقاري رفض، وقال: بالتساوي، فإذا توفاها الله، فهل يُعاد توزيع أنصبة الشقة على ثلاثة إخوة كميراث، وليس بالتساوي؟

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد اختلف أهل العلم في وجوب تسوية الوالد بين الأولاد في العطية:

فذهب الجمهور إلى استحباب التسوية من غير وجوب.

وذهب الحنابلة إلى وجوب التسوية، ما لم تكن هناك حاجة تقتضي تخصيص المخصوص بالعطية، وهذا هو المفتى به عندنا، قال ابن قدامة -رحمه الله- في المغني: يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية، إذا لم يختصّ أحدهم بمعنى يبيح التفضيل.

فإن خصّ بعضهم بعطيته، أو فاضل بينهم فيها؛ أثم، ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين: إما رد ما فضل به البعض، وإما إتمام نصيب الآخر ...

وقال مالك، والليث، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي: ذلك جائز.

وروي معنى ذلك عن شريح، وجابر بن زيد، والحسن بن صالح. انتهى مختصرًا.

وقال -رحمه الله-: والأمّ في المنع من المفاضلة بين الأولاد كالأب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم. ولأنها أحد الوالدين؛ فمنعت التفضيل كالأب، ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض ولده من الحسد والعداوة، يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها؛ فثبت لها مثل حكمه في ذلك. انتهى من المغني لابن قدامة.

وما ذكرته أمّك من تسويغها حرمان الولد الرابع من الهبة بكونها صرفت عليه زمنًا طويلًا، غير مسوّغ لتفضيل إخوته عليه.

فإن كانت تقصد بصرفها عليه ما يدخل في حكم النفقات؛ فالنفقات ليست كالهبات، ولكنّها تكون بحسب الحاجة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:.. ثم هنا نوعان:

نوع يحتاجون إليه من النفقة -في الصحة، والمرض، ونحو ذلك-؛ فتعديله فيه أن يعطي كل واحد ما يحتاج إليه، ولا فرق بين محتاج قليل، أو كثير.

ونوع تشترك حاجتهم إليه -من عطية، أو نفقة، أو تزويج-؛ فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه.

وينشأ بينهما نوع ثالث، وهو أن ينفرد أحدهم بحاجة غير معتادة -مثل أن يقضي عن أحدهم دَينًا وجب عليه من أرش جناية، أو يعطي عنه المهر، أو يعطيه نفقة الزوجة، ونحو ذلك-؛ ففي وجوب إعطاء الآخر مثل ذلك نظر.

وتجهيز البنات بالنحل أشبه، وقد يلحق بهذا.

والأشبه أن يقال في هذا: إنه يكون بالمعروف، فإن زاد على المعروف؛ فهو من باب النحل، ولو كان أحدهما محتاجًا دون الآخر؛ أنفق عليه قدر كفايته.

وأما الزيادة؛ فمن النحل. انتهى من الفتاوى الكبرى.

وعليه؛ فالواجب على أمّك أن تعدل بين أولادها جميعًا، إمّا بأن ترجع في هبتها لأولادها الثلاثة، أو تعطي الولد الرابع مثل ما أعطت إخوته.

وقد اختلف أهل العلم في صفة العدل بين الأولاد في الهبة:

فذهب الحنابلة -في معتمد المذهب- إلى أنّه يقسم بينهم على قدر مواريثهم.

وذهب الجمهور إلى التسوية بين جميعهم -ذكورهم وإناثهم-، وهو رواية أخرى عن الحنابلة، وهو المختار عندنا للفتوى، وهذه أقوال أهل العلم في ذلك:

ففي المذهب الحنفي جاء في المعتصر من المختصر من مشكل الآثار:

وأهل العلم مختلفون في العدل بين الأولاد:

فقال بعضهم: على التسوية بين الذكر والأنثى، منهم أبو يوسف.

وبعضهم يجريه مجرى الإرث، منهم محمد بن الحسن.

والأول أولى؛ لأن البرّ المطلوب من الأولاد إلى الأب على التسوية بين الذكر والأنثى؛ فكذا البرّ من الأب يكون بمقابلته على السوية. انتهى.

وفي المذهب المالكي جاء في مواهب الجليل للحطاب -رحمه الله-:

ولا خلاف بينهم في استحباب التسوية بين الأولاد في النحل، وكراهة التفضيل، ولكنهم اختلفوا في تحقيق مناط تلك التسوية:

فقد قال قوم: التسوية المستحبة أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله تعالى الميراث؛ فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، هذا قول أحمد، وعطاء، وشريح، وإسحاق، ومحمد بن الحسن.

وقال قوم -منهم مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وابن المبارك-: التسوية بينهم أن تعطى الأنثى مثل ما يعطى الذكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبشير بن سعد: "سَوِّ بَيْنَهُمْ"، وعلَّل ذلك بقوله: "أَيَسُرُّكَ أَنْ يَستَوُوا فِي بِرِّكَ"؟ قال: نعم! قال: "فَسَوِّ بَيْنَهُمْ".

قالوا: والبنت كالابن في استحقاق برّها، وكذلك في عطيتها.

واحتجّوا أيضًا بحديث ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "‌سَوُّوا ‌بَيْنَ ‌أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ، وَلَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا لَآثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ". رواه سعيد في سننه.

واحتجوا من حيث النظر بأنها عطية في الحياة يستوي فيها الذكر والأنثى -كالنفقة، والكسوة-. انتهى.

وفي المذهب الشافعي جاء في روضة الطالبين للنووي -رحمه الله-:

في كيفية العدل بين الأولاد في الهبة، وجهان:

أصحهما: أن يسوي بين الذكر والأنثى. انتهى.

وفي المذهب الحنبلي قال المرداوي -رحمه الله- في الإنصاف:

والمشروع ‌في ‌عطية ‌الأولاد القسمة بينهم على قدر ميراثهم، هذا المذهب...

وعنه: المشروع أن يكون الذكر كالأنثى، كما في النفقة. اختاره ابن عقيل. انتهى مختصرًا.

والله أعلم.

www.islamweb.net