أحكام الدعاء بـ: إلهي، إنك تقبل التوبة... وعهدي أن أهجر جميع معاصيك

31-8-2026 | إسلام ويب

السؤال:
كنت أقرأ أدعيةً من الإنترنت دون تفكّرٍ فيها كثيرًا أو تأمّلٍ في عواقبها، ومن بينها هذا الدعاء: "إلهي، إنك تقبل التوبة عن عبادك، وتعفو عن السيئات، وتحب التوابين، فاقبل توبتي كما وعدت، واعفُ عن سيئاتي كما ضمنت، وأوجب لي محبتك كما شرطت، ولك يا رب شرطي ألّا أعود إلى ما تكره، وضماني ألّا أرجع إلى ما تذم، وعهدي أن أهجر جميع معاصيك."
وبعد أن قرأته أدركت أن هذا العهد أكبر من طاقتي، وأنه يحمّلني ما لا أطيق، خاصةً أنني تذكرت قصة ثعلبة بن حاطب، وقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. لا أريد أن أعاهد الله على شيءٍ لا أستطيع الوفاء به، فأنا بشر أقع في كثيرٍ من الذنوب من غير قصد، ثم أستغفر ربي بعد ذلك.
فما حكم هذا الدعاء؟ وهل إذا وقعتُ في معصيةٍ بعد ذلك تجب عليَّ كفارة؟ علمًا بأن همومي قد ازدادت بعد أن نطقت بهذا الدعاء.
بارك الله فيكم.

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن هذا الدعاء يعزوه بعض الرواة لعلي بن الحسين -رحمه الله تعالى-، ولم نعثر على ما يفيد صحة نسبته إليه، ولا نرى حرجًا في الدعاء به؛ لأن معاني هذا الدعاء موجودة في نصوص الشرع، لكن الأولى العدول عنه إلى الألفاظ المأثورة في الكتاب والسنة، مثل دعاء إبراهيم: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم: 41]. وما أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله: وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون: 118]. ومثل دعاء أهل الإيمان المذكور في قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10]. ومثل الدعاء الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نَعُدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي، وتب علي إنك أنت التواب الرحيم. رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث صحيح.

وعنِ ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف. رواه أبو داود والترمذي والحاكم، وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم.

وعن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها من النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة. رواه البخاري.

وأما عن الوفاء بالعهد فهو مطلوب لو كان مع خلق الله، فكيف إذا كان هذا العهد مع الخالق، وكان على ترك محرم شرعًا، فإن ترك المعصية واجب بأصل الشرع، ويتأكد أكثر إذا عاهد العبد ربه على تركها، فقد حض الله على الوفاء بالعهد، ولا سيما إذا كان مع الله، وكان ذلك في أمر شرعي، فقد قال الله تعالى: وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً [الإسراء: 34].

وأما قولك: "وعهدي أن أهجر جميع معاصيك" فلا تجب به كفارة، فقد قدمنا بالفتوى: 350476، أن العهد الذي تجب الكفارة بالحنث فيه عند بعض أهل العلم، هو الحلف بعهد الله، مثل قوله: وعهد الله، أو أحلف بعهد الله، أو عليّ عهد الله وميثاقه....

قال ابن قدامة في المغني: إذا حلف بالعهد، أو قال: وعهد الله، وكفالته، فذلك يمين، يجب تكفيرها إذا حنث فيها. اهـ.

وجاء في الموسوعة الفقهية باختصار: قال الحنفية: إذا قيل: علي عهد الله، أو ذمة الله، أو ميثاق الله لا أفعل كذا مثلا، فهذه الصيغ من الأيمان...
وقال المالكية، والحنابلة: من صيغ اليمين الصريحة: علي عهد الله لا أفعل، أو لأفعلن كذا مثلاً؛ فتجب بالحنث كفارة إذا نوى اليمين، أو أطلق، فإن لم ينو اليمين، بل أريد بالعهد التكاليف التي عهد بها الله تعالى إلى العباد، لم تكن يمينا.
وزاد المالكية: أن قول القائل: أعاهد الله، ليس بيمين على الأصح؛ لأن المعاهدة من صفات الإنسان، لا من صفات الله، وكذا قوله: لك علي عهد، أو أعطيك عهدا.
وقال الشافعية: من كنايات اليمين: علي عهد الله، أو ميثاقه، أو ذمته، أو أمانته، أو كفالته لأفعلن كذا، أو لا أفعل كذا، فلا تكون يمينًا إلا بالنية؛ لأنها تحتمل غير اليمين احتمالا ظاهرًا
. انتهى.

هذا؛ وننبه إلى أن قصة ثعلبة قصة لا تثبت، بل هي ضعيفة جدًا، كما بينا نقله عن أهل العلم في الفتويين: 15817، 50041.

والله أعلم.

www.islamweb.net