الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإنه يحرم قبول عمل يتطلب النظر إلى الصور الإباحية، أو المشاهد العارية، وذلك لمخالفة الأمر الإلهي بغض البصر في قوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور: 30].
ولأن النظر إلى الصور الإباحية مفسدة للقلب، ومجرّة للفتنة، والشريعة جاءت بسد الذرائع المؤدية إلى الفاحشة؛ ومنع ما يعرض المسلم لما حرم الله، ويضعف إيمانه.
وأما المال الذي حصلت عليه من نظر الحرام، فالأصل منعه؛ لأن ما حرم استعماله والنظر إليه، حرم التكسب به، وعليك أن تتوب توبة صادقة مما حصل، وأن تتخلص منه بصرفه في مصالح المسلمين.
قال ابن القيم في زاد المعاد: إن كان المقبوض برضا الدافع، وقد استوفى عوضه المحرم، كمن عاوض على خمر، أو خنزير، أو على زنى، أو فاحشة؛ فهذا لا يجب رد العوض على الدافع؛ لأنه أخرجه باختياره، واستوفى عوضه المحرم، فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض عنه؛ فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان ... ولكن لا يطيب للقابض أكله، بل هو خبيث، كما حكم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن خبثه لخبث مكسبه، لا لظلم من أخذ منه، فطريق التخلص منه، وتمام التوبة بالصدقة. اهـ.
لكن إن كنت فقيرًا محتاجًا أنت، أو أهلك، وقد جالت يدك عليه الآن، فلك أن تنتفع به؛ نظرًا لدخولك في المحتاجين الذين هم مصرف هذا المال.
فقد قال النووي رحمه الله في المجموع: قال الغزالي: وإذا دفعه -أي: المال المحرم بعد التوبة- إلى الفقير: لا يكون حراماً على الفقير، بل يكون حلالاً طيباً، وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيراً؛ لأن عياله إذا كانوا فقراء: فالوصف موجود فيهم، بل هم أولى من يتصدق عليه، وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته؛ لأنه أيضًا فقير. انتهى.
وقد بسط ابن القيم -رحمه الله- الكلام على هذه المسألة في زاد المعاد، وقرر أن طريق التخلص من هذا المال، وتمام التوبة، إنما يكون بالتصدق به، فإن كان محتاجاً إليه، فله أن يأخذ قدر حاجته، ويتصدق بالباقي.
والله أعلم.