ترك نشر الخير خوفا من الرياء من حيل الشيطان

21-9-2026 | إسلام ويب

السؤال:
منذ سنوات، وقبل أن يمنّ الله عليّ بالاستقامة، كنت أحب تعلم ما أراه نافعًا ثم تعليمه للناس ونقل فائدته إليهم، وكنت أحرص على تصحيح أخطائي إذا تبينت لي، وأشعر بسعادة عندما أساعد غيري أو أرى أثر ما أقدمه لهم. بل كنت أحيانًا أقدّم مصالح الناس على مصلحتي حتى تضررت نفسيًا، والحمد لله الذي هداني وأصلح كثيرًا من حالي.
وبعد الاستقامة بقيت لدي الرغبة في نشر ما أتعلمه، لكنني أخشى عند الحديث في أمور الدين من الرياء وعدم الإخلاص. فأحيانًا أتعلم أمرًا نافعًا أو سببًا أعانني على الاستقامة، فأفكر مباشرة في كيفية نشره للناس والاستفادة منه.
كما أنني أعمل في التسويق الإلكتروني، وقد وقعت قبل التوبة في بعض المخالفات، مثل تصوير النساء غير المحتجبات واستعمال الموسيقى ونشر محتوى يشتمل على ذلك. وبعد توبتي أصبحت أرغب في توظيف خبرتي في الخير، من خلال تنبيه المسوقين إلى المحرمات التي قد يقعون فيها، وبيان البدائل المباحة، ومشاركة بعض الأسباب التي أعانتني على الاستقامة.
غير أنني أخشى أن يكون باعث ذلك حب المدح أو ثناء الناس، خاصة أنني كنت أقر قبل الاستقامة بحبي للمدح، مع أنني كنت أحب أيضًا نفع الآخرين ومساعدتهم. فكيف أميز بين الرغبة الصادقة في نفع الناس ونشر الخير، وبين الرياء وحب الثناء؟ وهل مجرد سعادتي بانتفاع الناس أو خوفي من الميل إلى المدح يقدح في الإخلاص؟ وكيف أصحح نيتي حتى لا أترك نشر الخير خوفًا من الرياء، ولا أقع فيه وأنا أحسب أنني أحسن صنعًا؟
وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنسأل الله أن يزيدك هدى، وأن يثبتك على الخير.

ونوصيك بالحذر من وساوس الرياء، فإنها من حيل الشيطان لصد المسلم عن الخير.

فاستمر في نشر الخير والعلم النافع، ولا تتوقف عن ذلك خشية الرياء، وجاهد نفسك على تصحيح النية، واستعن بالله، وتوكل عليه في أن يرزقك النية الصالحة، ونذكرك بما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إليه أبا بكر -رضي الله عنه- حيث قال له: والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله، وكثيره؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم. رواه أبو يعلى الموصلي، والبخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني.

جاء في الآداب الشرعية لابن مفلح: مما يقع للإنسان أنه أراد فعل طاعة يقوم عنده شيء يحمله على تركها خوف وقوعها على وجه الرياء، والذي ينبغي عدم الالتفات إلى ذلك، وللإنسان أن يفعل ما أمره الله عز وجل به ورغبه فيه، ويستعين بالله تعالى، ويتوكل عليه في وقوع الفعل منه على الوجه الشرعي.
وقد قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله: لا ينبغي أن يترك الذكر باللسان مع القلب خوفًا من أن يظن به الرياء، بل يذكر بهما جميعًا، ويقصد به وجه الله عز وجل. وذكر قول الفضيل بن عياض رحمه الله: إن ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، قال: فلو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لانسد عليه أكثر أبواب الخير.
قال أبو الفرج ابن الجوزي: فأما ترك الطاعات خوفًا من الرياء: فإن كان الباعث له على الطاعة غير الدين، فهذا ينبغي أن يترك؛ لأنه معصية، وإن كان الباعث على ذلك الدين، وكان ذلك لأجل الله عز وجل مخلصًا، فلا ينبغي أن يترك العمل؛ لأن الباعث الدين، وكذلك إذا ترك العمل خوفًا من أن يقال: مراء، فلا ينبغي ذلك؛ لأنه من مكايد الشيطان.

قال إبراهيم النخعي: إذا أتاك الشيطان وأنت في صلاة، فقال: إنك مراء فزدها طولا. اهـ.

والله أعلم.

www.islamweb.net