أثر التوعية الأسرية في بناء شخصية الأولاد وأهميتها

21-9-2026 | إسلام ويب

السؤال:
إلى أي مدى تعد القدوة والتوعية الأسرية مؤثرتين في بناء شخصية الأولاد، نرجو إيضاح ذلك؟

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فتُعدّ الأسرة البيئة الأولى والحاضنة الأساسية التي تتشكل فيها شخصية الطفل النفسية والفكرية والأخلاقية؛ فالطفل يولد على الفطرة النقية القابلة للخير، وتتأثر فطرته بما يتلقاه من والديه وبيئته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه. رواه البخاري ومسلم.

والتربية بالقدوة هي أوقع أساليب التربية وأعظمها أثرًا في نفس الصغير؛ لأن الطفل مجبول بطبعه على التقليد والمحاكاة قبل أن تنضج قدرته على الفهم النظري والمحاكمة العقلية.

فالقدوة الحسنة التي يحصل بها تجسيد القيم واقعًا عمليًا هي الترجمة الحقيقية للمبادئ والأخلاق، فحين يرى الطفل والديه يلتزمان بالصدق، والأمانة، والصلاة، وحسن الخلق - يترسخ لديه هذا السلوك كنموذج طبيعي للحياة، ولهذا جعل الله التأسي برسوله صلى الله عليه وسلم منهجاً للمؤمنين: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21].

ولا شك أنَّ الأفعال أبلغ أثرًا من الأقوال، فالأبوان اللذان يجسدان الفضائل، يعطيان الطفل قدوة تغنيه عن مئات المواعظ المجردة.

وفي مقابل القدوة الحسنة تبرز القدوة السيئة، والتي يعتبر أثرها مدمّراً لشخصية الأبناء -ولو كانت الأسرة آمرة بالفضائل ناهية عن الرذائل-؛ لما تسببه من ازدواجية وتناقض، فإذا رأى الولد تعارضاً بين ما يأمره به والداه وما يفعلانه، سقطت مكانة التوجيه لديه (كأن يأمرانه بالصدق وهو يراهما يكذبان، أو ينهيانه عن الغضب وهو يراهما يتشاجران)، فإن ذلك يُحدث لديه فصاما قيميا، ويفقده الثقة في المربي، وفي القيمة ذاتها. وقد حذر القرآن من هذا التناقض: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 2-3]، وقال نبي الله شعيب لقومه: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هود: 88].

والقدوة السيئة تجعل السلوك الخاطئ مألوفًا ومقبولاً في نفس الطفل، فينشأ على ارتكابه دون حرج.

وأما أثر التوعية الأسرية في بناء الشخصية؛ فهذا أمر متفق عليه بين المربين، فالتوعية الأسرية هي الموجه الفكري والروحي الذي يفسر للولد مجريات الحياة، ويحميه من المؤثرات الخارجية، وتتمثل أهميتها في:

1. غرس العقيدة والهوية، فالتوعية المستمرة تبني الحصانة العقدية لدى الأبناء، وتجعلهم فخورين بدينهم وقيمهم في مواجهة التيارات الفكرية والشبهات.

2. الحوار الإيجابي وبناء التفكير النقدي، ففتح باب النقاش داخل الأسرة، والتوعية بأسباب الأوامر والنواهي الشرعية - يبني شخصية واثقة، قادرة على التمييز بين النافع والضار، وتجنب الانقياد الأعمى لرفقاء السوء.

3. أداء واجب الأمانة والمسؤولية، فالتوعية والرعاية ليست مجرد فضل، بل هي واجب شرعي، يسأل الله تعالى عنه الوالدين؛ قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم: 6].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. رواه البخاري ومسلم.

والمطلوب في تربية الجيل هو التكامل بين القدوة والتوعية، فهما ركنان متلازمان في التربية؛ فالتوعية بالقول ترسم الطريق، والقدوة بالفعل تثبت الخُطا عليه. ومتى ما اجتمعت القدوة الصالحة مع التوعية الأسرية الحكيمة - نشأ جيل متوازن نفسيًا، ومستقيم سلوكيًا، وثابت على قيمه وأخلاقه.

والله أعلم.

www.islamweb.net