الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإنه يعتبر من المضاربة إعطاء والد زوجتك لك مالًا على أن يكون المال منه والعمل والإدارة منك، والمضاربة تعتبر شراكة بين رب المال والعامل، فرب المال مشارك برأس مال المضاربة، والعامل مشارك بجهده وخبرته، فإذا حصل ربح فهو بينهما على حسب ما اتفقا عليه مسبقاً، وإن حصلت خسارة فهي من رأس المال. ولا يتحمل العامل منها شيئاً؛ لأنه قد خسر جهده ووقته، فلا معنى لأن يتحمل أيضاً خسارة مادية، إضافة إلى أن يد العامل يد أمانة، وليست يد ضمان، فلا يضمن شيئًا إلا إذا تعدى، أو فرط، أو قصر في حفظ المال أو استثماره على الوجه المتعارف عليه بين التجار.
جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم 122: المضارب أمين، ولا يضمن ما يقع من خسارة، أو تلف إلا بالتعدي، أو التقصير، بما يشمل مخالفة الشروط الشرعية، أو قيود الاستثمار المحددة التي تم الدخول على أساسها، ويستوي في هذا الحكم المضاربة الفردية، والمشتركة. اهـ.
ولكن مما يلاحظ هنا أن العقد الحاصل بينكما لم تذكر فيه نسبة الربح، وهذا يجعل المضاربة فاسدة.
فقد جاء في المختصر الفقهي لابن عرفة: ويجب كون حظ العامل جزءًا من الربح معلوم النسبة منه. اهـ.
وقال ابن مفلح في الفروع: فإن شرطا لهما أو لأحدهما ربحًا مجهولاً، أو مثل ما شرط فلان لفلان، أو معلومًا وزيادة درهم أو إلا درهمًا، أو ربح نصفه، أو قدر معلوم، أو سفرة، أو عام، أو أهملاه، فسد العقد. انتهى.
ولكن لا يلزمك الضمان على كل في حال فساد المضاربة، فقد قال ابن قدامة -رحمه الله- في المغني: ولا ضمان عليه فيما يتلف بغير تعديه وتفريطه؛ لأن ما كان القبض في صحيحه مضمونًا، كان مضمونًا في فاسده، وما لم يكن مضمونًا في صحيحه، لم يضمن في فاسده. وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو يوسف ومحمد: يضمن. ولنا، أنه عقد لا يضمن ما قبضه في صحيحه، فلم يضمنه في فاسده، كالوكالة. اهـ.
وبناء عليه؛ يعلم أنك لست ضامنًا للخسارة إن ثبت عدم تفريطك، وأن هذا المبلغ الذي استلمته لا يعتبر دينًا في ذمتك، وكذا مبلغ الأرباح المتوقعة؛ لأن عقد المضاربة، تكون الخسارة فيه على ربّ المال وحده، ولا يضمن العامل شيئاً من الخسارة إذا لم يكن منه تعدٍ أو تفريط.
قال ابن قدامة -رحمه الله- في المغني: والوضيعة في المضاربة على المال خاصة، ليس على العامل منها شيء. اهـ.
وأما المبلغ الذي دفعته، فلا يعتبر سدادًا لدين لم يلزمك، وإنما يعتبر تبرعًا، ولا يلزمك شيء بعد ذلك، ولا يختلف الحكم بسبب وجود وصل الأمانة والإقرار الحسابي.
وإذا حصل النزاع بينكما، فالفصل في قضايا المنازعات محلُّهُ المحاكمُ الشرعية، أو من ينوب منابها؛ وذلك لأنها الأقدر على السماع من أطراف النزاع، وإدراك حقيقة الدعاوى، والبينات، والدُّفُوع، ثم إصدار الحكم المؤسس على ذلك.
وأما المفتي، فإنه لا يَسْمَع إلا من طرفٍ واحد، ولن يكون تصوره للمسألة، إلا بحسب ما تُتِيْحُه طريقةُ الاستفتاء، ولذلك لا يستطيع إصدار الحكم الدقيق في مثل هذه القضايا.
والله أعلم.