لما سمع عدي بن حاتم ـ الذي كان يدين بالنصرانية ـ برسول الله صلى الله عليه وسلم كَرِهَ دعوته، وترك قومه ولحق بنصارى الشام، فكره مكانه الجديد، ثم عَلِم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مَنَّ على أُخته ـ التي كانت ضمن الأسرى لدى المسلمين ـ بإطلاق سراحها، فقال في نفسه: لو أتيْتُه فإن كان ملِكاً أو كاذباً لم يَخْف عليَّ.
وفي شعبان من السنة العاشرة من الهجرة النبوية: قدِمَ عديُّ بن حاتم الطائي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، ودار بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم حوار ظهر منه مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الناس بدعوتهم إلى التوحيد والإسلام، وترغيبه صلى الله عليه وسلم في الصَّدقة ولو كانت قليلة، كما ظهر منه كذلك: معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بإخباره عن حدث سيحدث في المستقبل، وقد قع وِفْق ما أخبر به..
عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: (أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم، وجِئْتُ بغير أمان ولا كتاب، فلما دُفِعْتُ إليه أخذ بيدي (أمسَك بيده مُرحِّباً به ومُطَمئِناً له) وقد كان قال قبل ذلك: إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي (كِنايةٌ عن دُعاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يَهدِيَه الله إلى الإسلام)، قال ـ عدي ـ: فقام فلقيَتْه (استَوقَفَتْه) امرأة وصبي معها، فقالا: إن لنا إليك حاجة (لنا حاجة فساعدنا في قضائها)، فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة (الأَمَةُ المملوكة) وسادة فجلس عليها، وجلست بين يديه، فحَمِد الله وأثنى عليه ثم قال: ما يُفِرُّك (يضرك) أن تقول لا إله إلا الله (يَستنكِرُ النَّبيُّ على عَدِيٍّ أنَّه يَفِرُّ ويَهرب من الإسلام والتوحيد)؟ فهل تعلم من إله سوى الله؟ قال: قلتُ: لا، قال: ثم تكلم ساعة (تَكلَّم معه بعضًا مِن الوقت)، ثم قال: إنما تَفِرُّ (تَمتنِعُ وتَهرب) أن تقول الله أكبر، وتعلم أن شيئاً أكبر من الله؟ قال: قلت: لا، قال: فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضلال، قال: قلت: فإني جئتُ مسلمًا، قال: فرأيتُ وجهَه تبسَّط فرحًا، قال: ثم أمر بي فأُنزِلْتُ عند رجل من الأنصار جعلت أغشاه آتيه طرفي النهار، قال: فبينما أنا عنده عشية إذ جاءه قوم في ثياب من الصوف من هذه النِّمارِ (النَّمِرة: كِساءٌ صوفٌ مُخطَّطٌ كأنَّه على هيئةِ جِلدِ النَّمِر)، قال: فصلى وقام فحث عليهم (حثَّ النَّاسَ في خُطبتِه على الصَّدقة لهؤلاء القوم)، ثم قال: ولو صاع (أي: تصَدَّقوا ولو بقَدْرِ صاعٍ، والصَّاعُ: أربَعةُ أمدادٍ، والْمُدُّ مِقدارُ ما يَملَأُ الكفَّين)، ولو بنصف صاع، ولو بقبضة، ولو ببعض قبضة، يقي أحدكم وجهه حر جهنم ـ أو النار ـ ولو بتمرة ولو بشق تمرة، فإن أحدكم لاقي الله وقائل له ما أقول لكم: ألم أجعل لك سمعا وبصرا؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أجعل لك مالا وولدا؟ فيقول: بلى، فيقول: أين ما قدمت لنفسك؟ فينظر قدامه وبعده وعن يمينه وعن شماله ثم لا يجد شيئا يقي به وجهه حر جهنم، ليق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة، فإني لا أخاف عليكم الفاقة (الفقر)، فإن الله ناصركم ومعطيكم حتى تسير الظعينة (المرأة المسافِرة، وأصلُها المرأة الَتي تكون في الهودج المَحمول الَّذي يُوضَع على الدَّواب) فيما بين يثرب (المدينة المنورة) والحِيرَة (مدينةٌ على شاطئِ الفُرات بالعراق قريبة مِن الكوفة) أو أكثر، ما تخاف على مطيَّتِها (الدَّوابُّ الَّتي تُركَبُ في السَّفرِ) السَّرَقُ، قال ـ عدي ـ: فجعلت أقول في نفسي: فأين لصوص طيِّءٍ؟!) رواه الترمذي وحسنه الألباني.
قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإنَّ اليهودَ مَغضوبٌ عليهم)، أي: هُم المغضوب عَليهم، (وإنَّ النَّصارى ضُلَّال)، أي: هم الضَّالُّون، وهو مُراد قول الله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}(الفاتحة:7:6)، قال ابن كثير في تفسيره: "طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب، بخلاف من لم يعلم. والنصارى لما كانوا قاصدين شيئا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه، لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الرسول الحق، ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب كما قال فيهم: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ}(المائدة:60)، وأخص أوصاف النصارى الضلال كما قال: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل}(المائدة:77)، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار. وذلك وَاضِحٌ بَيِّنٌ".
وفي رواية لأحمد والطبراني عن عَدِيِّ بْن حَاتِمٍ رضي الله عنه قال: (فأسلمتُ فرأيتُ وجهه (وجه النبي صلى الله عليه وسلم) استبشر وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى).
قول عَدِيٌّ: (فجعَلتُ أقولُ في نَفْسي: فأينَ لُصوصُ طَيِّئٍ؟) أي: يَتَعجَّب عمَّا يُبشِّر به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من أمانٍ، وقد كانتْ طيِّئٌ تَنهَبُ القوافل، وتَقطع عليهم الطَّريق، وطيِّئٌ: هي قَبيلةُ عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، وبلادُهم ما بين العراق والحجاز، وكانوا يَقطعون الطَّريق على مَن مرَّ عليهِم، وقد رأى عدي بن حاتم رضي الله عنه مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن الله ناصركم ومعطيكم حتى تسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة أو أكثر ما تخاف على مطيَّتِها السَّرَقُ)، فقال: (فقد رأيت الظعينة ترحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت)، وهذه إحدى معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، فقد وقع ما أخبر وبشَّر به من أمْرٍ غيبي حدث في المستقبل بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه.
من شمائل وصفات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حرصه الشديد على هِدايةِ الخَلق ودعوتهم إلى التوحيد الإسلامِ، وسعيه في حاجةِ السَّائلِين وقضاء حوائجهم، ومن المواقف الدالة على ذلك من السيرة النبوية، موقفه صلى الله عليه وسلم وحواره مع عدي بن حاتم الطائي حين أتى إليه في السنة العاشرة من الهجرة النبوية.
فتاوى الحج
مقالات الحج
تسجيلات الحج
استشارات الحج






