الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            2282 - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، ومحمد بن أحمد العارف، قالا: أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، نا أبو العباس الأصم.

                                                                            ح وأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، نا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان، قالت: يا رسول الله، هل لك في أختي بنت أبي سفيان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فاعل ماذا"؟ قالت: تنكحها، قال: "أختك؟!" قالت: نعم، قال: "أو تحبين ذلك"، قالت: نعم، لست لك بمخلية وأحب من شركني في خير أختي، قال: "فإنها لا تحل لي" قالت: فقلت: فوالله لقد أخبرت أنك تخطب بنت أبي سلمة، قال: "بنت أم سلمة"، قالت: نعم، قال: "فوالله [ ص: 76 ] لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن".

                                                                            هذا حديث متفق على صحته، أخرجه محمد، عن الحميدي، عن سفيان، وأخرجه مسلم، عن أبي كريب، عن أبي أسامة، كلاهما عن هشام، وأخرجاه من طرق عن الزهري، عن عروة.

                                                                            قال عروة : وثويبة مولاة لأبي لهب ، كان أبو لهب أعتقها ، فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة ، قال له : ماذا لقيت ؟ قال أبو لهب : لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة .

                                                                            قيل في قوله : "سقيت في هذه" أراد الوقبة التي بين الإبهام والسبابة .

                                                                            وابنة أبي سلمة اسمها درة .

                                                                            قوله : بشر حيبة بالحاء ، أي : بشر حال ، يقال : فلان [ ص: 77 ] بشر حيبة ، أي : بحال سوء بفتح الحاء ، والحيبة بكسر الحاء : الهم والحاجة .

                                                                            قال الإمام : الحديث يدل على أن حرمة الرضاع كحرمة النسب في المناكح ، فإذا أرضعت المرأة رضيعا يحرم على الرضيع ، وعلى أولاده من أقارب المرضعة كل من يحرم على ولدها من النسب ، ولا تحرم المرضعة على أب الرضيع ، ولا على أخيه ، ولا تحرم عليك أم أختك من الرضاع إذا لم تكن أما لك ، ولا زوجة أبيك ، ويتصور هذا في الرضاع ، ولا يتصور في النسب لك أم أخت إلا وهي أم لك ، أو زوجة لأبيك ، وكذلك لا يحرم عليك أم نافلتك من الرضاع إذ لم تكن ابنتك ، أو زوجة ابنك ، ولا جدة ولدك من الرضاع إذ لم تكن أمك ، أو أم زوجتك ، ولا أخت ولدك من الرضاع إذ لم تكن ابنتك ، أو ربيبتك .

                                                                            وفي الحديث دليل على أن الزانية إذا أرضعت بلبن الزنا ولدا لا تثبت الحرمة بين الرضيع وبين الزاني وأهل نسبه ، كما لا يثبت به النسب ، فإن كان لبنها من وطء شبهة ، أو نكاح فاسد ، أو ملك يمين تثبت به الحرمة ، كما يثبت النسب ، ولبن الضرار محرم عند العامة إلا ما حكي عن ابن أبي ذئب ، أنه قال : لا يحرم . [ ص: 78 ] .

                                                                            وفيه دليل على أن لبن الفحل يحرم حتى تثبت الحرمة من جهة صاحب اللبن ، كما تثبت من جانب المرضعة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت عمومة الرضاع ، وألحقها بالنسب ، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن بعدهم .

                                                                            سئل ابن عباس عن رجل له امرأتان ، أرضعت إحداهما غلاما ، والأخرى جارية ، فهل يتزوج الغلام الجارية ؟ قال : لا ، اللقاح واحد ، قيل : اللقاح اسم ماء الفحل ، أراد أن ماء الفحل الذي حملت منه واحد ، واللبن الذي أرضعتا به كان أصله ماء الفحل ، وقيل : ويحتمل أن يكون اللقاح بمعنى الإلقاح ، يقال : ألقح الفحل بالناقة إلقاحا ولقاحا ، كما يقال : أعطاه إعطاء وعطاء ، والأصل فيه للإبل ، ثم يستعار في النساء .

                                                                            وذهب بعض أهل العلم إلى أن لبن الفحل لا يحرم ، وهو قول عروة بن الزبير ، وعبد الله بن الزبير ، وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، يروى أن عائشة كانت تأذن لمن أرضعته أخواتها وبنات أخيها ، ولا تأذن لمن أرضعته نساء إخوتها وبني أختها ، وإليه ذهب إسماعيل بن علية ، وداود الأصبهاني ، ويروى أيضا عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، وسليمان بن يسار ، وإبراهيم : أن لبن الفحل لا يحرم .

                                                                            ولو نكح رجل امرأة رضيعة ، فأرضعتها أم الزوج ، أو جدته ، أو ابنته ، أو أخته ، أو امرأة أخيه ، بلبن أخيه ينفسخ النكاح بينهما ، فعلى الزوج للرضيعة نصف المهر المسمى في النكاح ، وتغرم المرضعة للزوج نصف مهر مثلها . [ ص: 79 ] .

                                                                            ولو تزوج صغيرة وكبيرة ، فأرضعت الكبيرة الصغيرة ، انفسخ نكاحهما ، لأنهما صارتا أما وبنتا معا ، ثم إن كان الرضاع بلبن الزوج ، فهما محرمتان عليه على التأبيد ، لأن الصغيرة ابنته ، والكبيرة أم من كانت زوجة له ، وإن كان بلبن غيره ، فإن كان بعد الدخول بالكبيرة ، فكذلك ، لأن الكبيرة أم زوجته ، والصغيرة بنت زوجته التي دخل بها ، وإن كان قبل الدخول بالكبيرة ، فالكبيرة محرمة عليه على التأبيد ، ويجوز له أن يبتدئ نكاح الصغيرة ، ولو تزوج رضيعتين ، فأرضعتهما أجنبية معا ، انفسخ نكاحهما ، لأنهما صارتا أختين ، وللزوج أن يبتدئ نكاح واحدة منهما ، ولا يجوز الجمع بينهما ، لأنهما أختان ولو أرضعتهما على الترتيب ، فبإرضاع الأولى لا ينفسخ نكاحهما ، فإذا أرضعت الثانية ، انفسخ نكاح الثانية ، وفي انفساخ نكاح الأولى قولان ، أصحهما وبه قال أبو حنيفة : ينفسخ ، لأن انعقاد الأخوة بينهما برضاع الثانية معا ، كما لو أرضعتهما معا ، وإذا نزل للبكر لبن ، فأرضعت به صبيا ، تثبت الحرمة إذا كانت في سن يحتمل فيها البلوغ ، وهي تسع سنين ، ولو نزل للرجل لبن فأرضع به صبيا لا تثبت به الحرمة .

                                                                            قال الإمام : والرضاع كالنسب في تحريم المناكحة ، وإثبات المحرمية حتى تجوز الخلوة والمسافرة بمحارم الرضاع ، ويستحب له بر المرضعة ، فقد روي عن أبي الطفيل ، قال : " كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت امرأة ، فبسط النبي صلى الله عليه وسلم رداءه حتى قعدت ، قيل : هذه كانت أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم " . [ ص: 80 ] .

                                                                            ويروى عن حجاج بن حجاج الأسلمي ، عن أبيه ، قال : قلت يا رسول الله ، ما يذهب عني مذمة الرضاع ؟ فقال : " غرة : عبد أو أمة " ، وأراد به ذمام الرضاع وحقه ، فقال : " إنها حضنتك وأنت صغير فكافئها ، واقض ذمامها بخادم يخدمها ، ويكفيها المهنة" .

                                                                            والمذمة بكسر الذال من الذمام ، والمذمة بالفتح من الذم .

                                                                            ولا يثبت بسبب الرضاع ميراث ولا عتق ، ولا تجب به نفقة ، ولا يسقط به قصاص ، ولا شهادة ، إنما حكمه تحريم النكاح ، وثبوت المحرمية .

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية