[ ص: 130 ] إذا عرف هذا ، فهؤلاء القوم في هذا المقام
nindex.php?page=treesubj&link=32431_32423_29434_31048_28747ادعوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يرسل إليهم ، بل إلى أهل الجاهلية من العرب فهذه الدعوى على وجهين :
إما أن يقولوا : إنه بنفسه لم يدع أنه أرسل إليهم ، ولكن أمته ادعوا له ذلك .
وإما أن يقولوا : إنه ادعى أنه أرسل إليهم وهو كاذب في هذه الدعوى ، وكلامهم في صدر هذا الكتاب يقتضي الوجه الأول .
وفي آخره قد يقال : إنهم أشاروا إلى الوجه الثاني ، لكنهم في الحقيقة لم ينكروا رسالته إلى العرب ، وإنما أنكروا رسالته إليهم .
وأما رسالته إلى العرب فلم يصرحوا بتصديقه فيها ولا بتكذيبه ، وإن كان ظاهر لفظهم يقتضي الإقرار برسالته إلى العرب ، بل صدقوا بما وافق قولهم وكذبوا بما خالف قولهم .
ونحن نبين أنه لا يصح احتجاجهم بشيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ثم نتكلم على الوجهين جميعا ، ونبين أنه لا يصح احتجاجهم بشيء من القرآن على صحة دينهم ، بوجه من
[ ص: 131 ] الوجوه ، ونبين أن القرآن ، لا حجة فيه لهم ، ولا فيه تناقض .
وكذلك كتب الأنبياء المتقدمين ، التي يحتجون بها هي حجة عليهم ليس في شيء منها حجة لهم ، ولو لم يبعث
محمد صلى الله عليه وسلم ، فكيف والكتاب الذي جاء به
محمد صلى الله عليه وسلم موافق لسائر كلام الأنبياء عليهم السلام في إبطال دينهم ، وقولهم في التثليث ، والاتحاد ، وغير ذلك ، مع العقل الصريح . فهم احتجوا في كتابهم هذا بالقرآن ، وبما جاءت به الأنبياء قبل
محمد صلى الله عليه وسلم مع العقل .
ونحن نبين أنه لا حجة لهم فيما جاء به
محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا فيما جاءت به الأنبياء قبله ، ولا في العقل بل ما جاء به
محمد ، وما جاءت به الأنبياء قبله مع صريح العقل كلها براهين قطعية على فساد دينهم ، ولكن نذكر قبل ذلك أن احتجاجهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح بوجه من الوجوه ، وأنه لا يجوز أن يحتج بمجرد المنقول عن
محمد صلى الله عليه وسلم من يكذبه في كلمة واحدة مما جاء به .
وكذلك سائر الأنبياء عليهم السلام ، بخلاف الاحتجاج بكلام غير الأنبياء ، فإن ذلك يمكن موافقة بعضه دون بعض ، وأما ما أخبرت به الأنبياء عليهم السلام ، أو من قال إنه نبي ،
[ ص: 132 ] فلا يمكن الاحتجاج ببعضه ، دون بعض سواء قدر صدقهم ، أو كذبهم .
فيقال لهم على كل تقدير ، سواء أقروا بنبوته إلى العرب ، أو غيرهم ، أو كذبوه في قوله إنه رسول الله ، أو سكتوا عن هذا وهذا ، أو صدقوه في البعض دون البعض .
إن احتجاجكم على صحة ما تخالفون فيه المسلمين ، مما جاء به
محمد صلى الله عليه وسلم ، لا يصح بوجه من الوجوه ; فاحتجاجكم على أنه لم يرسل إليكم ، أو على صحة دينكم بشيء من القرآن حجة داحضة على كل تقدير .
مع أنا سنبين - إن شاء الله تعالى - أن الكتب الإلهية كلها مع المعقول ، لا حجة لكم في شيء منها ، بل كلها حجة عليكم .
وهذا بخلاف المسلمين ، فإنه يصح احتجاجهم على أهل الكتاب
اليهود والنصارى بما جاءت به الأنبياء قبل
محمد صلى الله عليه وسلم ،
وأهل الكتاب لا يصح احتجاجهم بما جاء به
محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن المسلمين مقرون بنبوة
موسى ،
وعيسى وداود ،
وسليمان ، وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام ، وعندهم يجب
nindex.php?page=treesubj&link=30172_28739الإيمان بكل كتاب أنزله الله ، وبكل نبي أرسله الله ، وهذا أصل دين المسلمين ، فمن كفر بنبي واحد ، أو كتاب واحد ، فهو عندهم كافر ، بل من
nindex.php?page=treesubj&link=10029_10030سب نبيا من الأنبياء ، فهو عندهم كافر
[ ص: 133 ] مباح الدم كما قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=136قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم .
وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=285آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير .
وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=177ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين .
والكتاب اسم جنس لكل كتاب أنزله الله ، يتناول التوراة والإنجيل ، كما يتناول القرآن ، كقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=15وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم .
وقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=285آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله .
[ ص: 134 ] وفي القراءة الأخرى ( وكتابه ) ، كقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=15وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم .
وقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=1الم nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=2ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=3الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=4والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=5أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون .
فذكر أن هذا الكتاب الذي أنزل عليه هدى للمتقين ، الذين يؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، والذين يؤمنون بما أنزل إليه ، وما أنزل من قبله ، وبالآخرة هم يوقنون ، ثم أخبر أن هؤلاء هم المفلحون ، فحصر الفلاح في هؤلاء ، فلا يكون مفلحا إلا من كان من هؤلاء .
وقوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=4والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . هو صفة للمذكورين ليس هؤلاء صنفا آخر ، فإن عطف الشيء على الشيء قد يكون لتغاير الصفات ، وإن كانت الذات واحدة هذا هو الصحيح هنا ، وإن كان قد قيل إن الصنف الثاني مؤمنو
أهل الكتاب ،
[ ص: 135 ] والأول هم المسلمون ، فهذا ضعيف ، وأفسد منه قول هؤلاء
[ ص: 136 ] النصارى : إن الكتاب المراد به الإنجيل ، كما سيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى .
والعطف لتغاير الصفات ، كقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=87&ayano=1سبح اسم ربك الأعلى nindex.php?page=tafseer&surano=87&ayano=2الذي خلق فسوى nindex.php?page=tafseer&surano=87&ayano=3والذي قدر فهدى nindex.php?page=tafseer&surano=87&ayano=4والذي أخرج المرعى nindex.php?page=tafseer&surano=87&ayano=5فجعله غثاء أحوى .
وهو سبحانه الذي خلق فسوى ، والذي قدر فهدى ، والذي أخرج المرعى ، فجعله غثاء أحوى .
وقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=1قد أفلح المؤمنون nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=2الذين هم في صلاتهم خاشعون nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=3والذين هم عن اللغو معرضون nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=4والذين هم للزكاة فاعلون nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=5والذين هم لفروجهم حافظون . إلى آخر الآيات
وكذلك قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=4والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك .
[ ص: 137 ] هم الذين يؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة ، ومما رزقناهم ينفقون ، وهم الذين على هدى من ربهم ، وهم المفلحون .
ولكن فصل إيمانهم بعد أن أجمله ; لئلا يظن ظان أن مجرد دعوى الإيمان بالغيب ينفع ، وإن لم يؤمن بما أنزل إلى
محمد صلى الله عليه وسلم ، وما أنزل إلى من قبله ، فلو
nindex.php?page=treesubj&link=28739_28738قال أحد من الناس : أنا أؤمن بالغيب ، وهو مع ذلك لا يؤمن ببعض ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، أو ببعض ما أنزل على من قبله ، لم يكن مؤمنا ، حتى يؤمن بجميع ما أنزل إليه ، وما أنزل إلى من قبله ، ولو كانوا صنفا آخر لكان المفلحون قسمين : قسما يؤمنون بالغيب ، ولا يؤمنون بما أنزل إليه ، وما أنزل إلى من قبله ، وقسما يؤمنون بما أنزل إليه ، وما أنزل إلى من قبله ، ولا يؤمنون بالغيب ، وهذا باطل عند جميع الأمم المؤمنين
واليهود والنصارى ، فإن الإيمان بما أنزل إليه وإلى من قبله يتضمن الإيمان بالغيب ،
nindex.php?page=treesubj&link=30179_30172والإيمان بالغيب لا يتم إلا بالإيمان بجميع ما أنزله الله تبارك وتعالى .
[ ص: 130 ] إِذَا عُرِفَ هَذَا ، فَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ
nindex.php?page=treesubj&link=32431_32423_29434_31048_28747ادَّعَوْا أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ ، بَلْ إِلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ فَهَذِهِ الدَّعْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ :
إِمَّا أَنْ يَقُولُوا : إِنَّهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ، وَلَكِنَّ أُمَّتَهُ ادَّعَوْا لَهُ ذَلِكَ .
وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا : إِنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَهُوَ كَاذِبٌ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى ، وَكَلَامُهُمْ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ يَقْتَضِي الْوَجْهَ الْأَوَّلَ .
وَفِي آخِرِهِ قَدْ يُقَالُ : إِنَّهُمْ أَشَارُوا إِلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، لَكِنَّهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يُنْكِرُوا رِسَالَتَهُ إِلَى الْعَرَبِ ، وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا رِسَالَتَهُ إِلَيْهِمْ .
وَأَمَّا رِسَالَتُهُ إِلَى الْعَرَبِ فَلَمْ يُصَرِّحُوا بِتَصْدِيقِهِ فِيهَا وَلَا بِتَكْذِيبِهِ ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ لَفْظِهِمْ يَقْتَضِي الْإِقْرَارَ بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ ، بَلْ صَدَّقُوا بِمَا وَافَقَ قَوْلَهُمْ وَكَذَّبُوا بِمَا خَالَفَ قَوْلَهُمْ .
وَنَحْنُ نُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ احْتِجَاجُهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَتَكَلَّمُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، وَنُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ احْتِجَاجُهُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمْ ، بِوَجْهٍ مِنَ
[ ص: 131 ] الْوُجُوهِ ، وَنُبَيِّنُ أَنَّ الْقُرْآنَ ، لَا حُجَّةَ فِيهِ لَهُمْ ، وَلَا فِيهِ تَنَاقُضٌ .
وَكَذَلِكَ كُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ لَهُمْ ، وَلَوْ لَمْ يُبْعَثْ
مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَيْفَ وَالْكِتَابُ الَّذِي جَاءَ بِهِ
مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَافِقٌ لِسَائِرِ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِي إِبْطَالِ دِينِهِمْ ، وَقَوْلِهِمْ فِي التَّثْلِيثِ ، وَالِاتِّحَادِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مَعَ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ . فَهُمُ احْتَجُّوا فِي كِتَابِهِمْ هَذَا بِالْقُرْآنِ ، وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَ
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْعَقْلِ .
وَنَحْنُ نُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيمَا جَاءَ بِهِ
مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ ، وَلَا فِي الْعَقْلِ بَلْ مَا جَاءَ بِهِ
مُحَمَّدٌ ، وَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ مَعَ صَرِيحِ الْعَقْلِ كُلُّهَا بَرَاهِينُ قَطْعِيَّةٌ عَلَى فَسَادِ دِينِهِمْ ، وَلَكِنْ نَذْكُرُ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ بِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْتَجَّ بِمُجَرَّدِ الْمَنْقُولِ عَنْ
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يُكَذِّبُهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ .
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، بِخِلَافِ الِاحْتِجَاجِ بِكَلَامِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ مُوَافَقَةُ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ ، وَأَمَّا مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، أَوْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ نَبِيٌّ ،
[ ص: 132 ] فَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ بِبَعْضِهِ ، دُونَ بَعْضٍ سَوَاءٌ قُدِّرَ صِدْقُهُمْ ، أَوْ كَذِبُهُمْ .
فَيُقَالُ لَهُمْ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ ، سَوَاءٌ أَقَرُّوا بِنُبُوَّتِهِ إِلَى الْعَرَبِ ، أَوْ غَيْرِهِمْ ، أَوْ كَذَّبُوهُ فِي قَوْلِهِ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، أَوْ سَكَتُوا عَنْ هَذَا وَهَذَا ، أَوْ صَدَّقُوهُ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ .
إِنَّ احْتِجَاجَكُمْ عَلَى صِحَّةِ مَا تُخَالِفُونَ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ ، مِمَّا جَاءَ بِهِ
مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ; فَاحْتِجَاجُكُمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْكُمْ ، أَوْ عَلَى صِحَّةِ دِينِكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ .
مَعَ أَنَّا سَنُبَيِّنُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ كُلَّهَا مَعَ الْمَعْقُولِ ، لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، بَلْ كُلُّهَا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ .
وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ احْتِجَاجُهُمْ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ
الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَ
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وَأَهْلُ الْكِتَابِ لَا يَصِحُّ احْتِجَاجُهُمْ بِمَا جَاءَ بِهِ
مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ
مُوسَى ،
وَعِيسَى وَدَاوُدَ ،
وَسُلَيْمَانَ ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، وَعِنْدَهُمْ يَجِبُ
nindex.php?page=treesubj&link=30172_28739الْإِيْمَانُ بِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ ، وَبِكُلِّ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ اللَّهُ ، وَهَذَا أَصْلُ دِينِ الْمُسْلِمِينَ ، فَمَنْ كَفَرَ بِنَبِيٍّ وَاحِدٍ ، أَوْ كِتَابٍ وَاحِدٍ ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ كَافِرٌ ، بَلْ مَنْ
nindex.php?page=treesubj&link=10029_10030سَبَّ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ كَافِرٌ
[ ص: 133 ] مُبَاحُ الدَّمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=136قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=285آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ .
وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=177لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ .
وَالْكِتَابُ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ ، يَتَنَاوَلُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ، كَمَا يَتَنَاوَلُ الْقُرْآنَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=15وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=285آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ .
[ ص: 134 ] وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى ( وَكِتَابِهِ ) ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=15وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=1الم nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=2ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=3الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=4وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=5أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .
فَذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ، وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ، وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ، وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ ، وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، فَحَصَرَ الْفَلَاحَ فِي هَؤُلَاءِ ، فَلَا يَكُونُ مُفْلِحًا إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=4وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ . هُوَ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ لَيْسَ هَؤُلَاءِ صِنْفًا آخَرَ ، فَإِنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ ، وَإِنْ كَانَتِ الذَّاتُ وَاحِدَةً هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ هُنَا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ إِنَّ الصِّنْفَ الثَّانِيَ مُؤْمِنُو
أَهْلِ الْكِتَابِ ،
[ ص: 135 ] وَالْأَوَّلَ هُمُ الْمُسْلِمُونَ ، فَهَذَا ضَعِيفٌ ، وَأَفْسَدُ مِنْهُ قَوْلُ هَؤُلَاءِ
[ ص: 136 ] النَّصَارَى : إِنَّ الْكِتَابَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِنْجِيلُ ، كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالْعَطْفُ لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=87&ayano=1سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى nindex.php?page=tafseer&surano=87&ayano=2الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى nindex.php?page=tafseer&surano=87&ayano=3وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى nindex.php?page=tafseer&surano=87&ayano=4وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى nindex.php?page=tafseer&surano=87&ayano=5فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى .
وَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحَوَى .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=1قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=2الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=3وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=4وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=5وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلَى آخَرِ الْآيَاتِ
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=4وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ .
[ ص: 137 ] هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ، وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ، وَهُمُ الَّذِينَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ، وَهُمُ الْمُفْلِحُونَ .
وَلَكِنْ فَصَّلَ إِيْمَانَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَجْمَلَهُ ; لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ مُجَرَّدَ دَعْوَى الْإِيْمَانِ بِالْغَيْبِ يَنْفَعُ ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُ ، فَلَوْ
nindex.php?page=treesubj&link=28739_28738قَالَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ : أَنَا أُؤْمِنُ بِالْغَيْبِ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يُؤْمِنُ بِبَعْضِ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ بِبَعْضِ مَا أُنْزِلَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُ ، لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا ، حَتَّى يُؤْمِنَ بِجَمِيعِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُ ، وَلَوْ كَانُوا صِنْفًا آخَرَ لَكَانَ الْمُفْلِحُونَ قِسْمَيْنِ : قِسْمًا يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُ ، وَقِسْمًا يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُ ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ، وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، فَإِنَّ الْإِيْمَانَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ وَإِلَى مَنْ قَبْلَهُ يَتَضَمَّنُ الْإِيْمَانَ بِالْغَيْبِ ،
nindex.php?page=treesubj&link=30179_30172وَالْإِيْمَانُ بِالْغَيْبِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْإِيْمَانِ بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .