nindex.php?page=treesubj&link=29084_18717قوله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=113&ayano=5ومن شر حاسد إذا حسد .
اقتران الحسد بالسحر هنا ، يشير إلى وجود علاقة بين كل من السحر والحسد ، وأقل ما يكون هو التأثير الخفي الذي يكون من الساحر بالسحر ، ومن الحاسد بالحسد مع الاشتراك في عموم الضرر ، فكلاهما إيقاع ضرر في خفاء ، وكلاهما منهي عنه .
وقد أوضح فضيلة الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه ، أنواع السحر وأحكامه وأورد فيه كلاما وافيا .
وقد ظهر بما قدمنا : أن الحسد له علاقة بالسحر نوعا ما ، فلزم إيضاحه وبيان أمره بقدر المستطاع ، إن شاء الله .
أولا :
nindex.php?page=treesubj&link=18716تعريفه : قالوا : إن الحسد هو تمني زوال نعمة الغير ، أو عدم حصول النعمة للغير شحا عليه بها .
وقد قيدت الاستعاذة من شر الحاسد إذا حسد ، أي عند إيقاعه الحسد بالفعل ، ولم يقيدها من شر الساحر إذا سحر .
وذلك والله تعالى أعلم : أن النفث في العقد هو عين السحر ، فتكون الاستعاذة واقعة موقعها عند سحره الواقع منه بنفثه الحاصل منه في العقد .
أما الحاسد فلم يستعذ منه إلا عند إيقاعه الحسد بالفعل ، أي : عند توجهه إلى المحسود ; لأنه قبل توجهه إلى المحسود بالحسد لا يتأتى منه شر ، فلا محل للاستعاذة منه .
أما حقيقة الحسد : فيتعذر تعريفه منطقيا .
وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه أنه قال في السحر : لا يمكن تعريفه لخفائه .
ومعلوم أن الحسد أشد خفاء ; لأنه عمل نفسي وأثر قلبي ، وقد قيل فيه : إنه كإشعاع غير مرئي ، ينتقل من قلب الحاسد إلى المحسود ، عند تحرقه بقلبه على المحسود ، وقد شبه حسد الحاسد بالنار في قولهم :
[ ص: 163 ] اصبر على مضض الحسود فإن صبرك قاتله كالنار تأكل بعضها
إن لم تجد ما تأكله
وقد أنكر بعض الفلاسفة وقوع الحسد ، حيث إنه غير مشاهد وهم محجوجون بكل موجود غير مشاهد ، كالنفس والروح والعقل .
وقد شوهدت اليوم أشعة إكس وهي غير مرئية ، ولكنها تنفذ إلى داخل الجسم من إنسان وحيوان ، بل وخشب ونحوه . ولا يردها إلا مادة الرصاص لكثافة معدنه ، فتصور داخل جسم الإنسان من عظام وأمعاء وغيرها ، فلا معنى لرد شيء لعدم رؤيته .
تنبيه
قد أطلق الحسد هنا ولم يبين المحسود عليه ، ما هو مع أنه كما تقدم زوال النعمة عن الغير .
وقد نبه القرآن الكريم على
nindex.php?page=treesubj&link=29485أعظم النعمة التي حسد عليها المسلمون عامة ، والرسول صلى الله عليه وسلم خاصة ، وهي نعمة الإسلام ونعمة الوحي وتحصيل الغنائم .
فأهل الكتاب حسدوا المسلمين على الإسلام في قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=109ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق [ 2 \ 109 ] .
والمشركون حسدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نعمة الوحي إليه ، كما في قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=54أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله [ 4 \ 54 ] .
والناس هنا عام أريد به الخصوص ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، كما في قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=173الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم [ 3 \ 173 ] .
فالناس الأولى عام أريد به خصوص رجل واحد ، وهو
نعيم بن مسعود الأشجعي .
ومما جاء فيه الحسد عن نعمة متوقعة . قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=48&ayano=15سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا [ 48 \ 15 ] .
[ ص: 164 ] فتبين بنص القرآن أن الحسد يكون في نعمة موجودة ، ويكون في نعمة متوقع وجودها .
تنبيه آخر
توجد العين كما يوجد الحسد ، ولم أجد من فرق بينهما مع وجود الفرق .
وقد جاء في الصحيح :
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009918 " إن nindex.php?page=treesubj&link=32521العين لحق " .
كما جاء في السنن :
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009919 " لو أن شيئا يسبق القدر لسبقته العين " .
ويقال في الحسد : حاسد ، وفي العين : عائن ، ويشتركان في الأثر ، ويختلفان في الوسيلة والمنطلق .
فالحاسد : قد يحسد ما لم يره ، ويحسد في الأمر المتوقع قبل وقوعه ، ومصدره تحرق القلب واستكثار النعمة على المحسود ، وبتمني زوالها عنه أو عدم حصولها له وهو غاية في حطة النفس .
والعائن : لا يعين إلا ما يراه والموجود بالفعل ، ومصدره انقداح نظرة العين ، وقد يعين ما يكره أن يصاب بأذى منه كولده وماله .
وقد يطلق عليه أيضا الحسد ، وقد
nindex.php?page=treesubj&link=18738يطلق الحسد ويراد به الغبطة ، وهو تمني ما يراه عند الآخرين من غير زواله عنهم .
وعليه الحديث :
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009920 " لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الخير ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها بين الناس " .
وقال
القرطبي : روي مرفوعا
" المؤمن يغبط ، والمنافق يحسد " .
وقال : الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء ، وأول ذنب عصي به في الأرض ، فحسد إبليس
آدم وحسد
قابيل هابيل ا هـ .
تحذير
كنت سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه قوله : إن
nindex.php?page=treesubj&link=18717_28798أول معصية وقعت هي الحسد ، وجر شؤمها إلى غيرها ، وذلك لما حسد إبليس أبانا
آدم على ما آتاه الله من
[ ص: 165 ] الكرامات من خلقه بيديه ، وأمر الملائكة بالسجود له ، فحمله الحسد على التكبر ، ومنعه التكبر من امتثال الأمر بالسجود ، فكانت النتيجة طرده ، عياذا بالله .
nindex.php?page=treesubj&link=18718أسباب الحسد
وبتأمل القصة ، يظهر أن الحامل على الحسد أصله أمران :
الأول : ازدراء المحسود .
والثاني : إعجاب الحاسد بنفسه ، كما قال إبليس معللا لامتناعه من السجود :
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=12أنا خير منه [ 7 \ 12 ] .
ثم فصل معنى الخيرية المزعومة بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=12خلقتني من نار وخلقته من طين [ 7 \ 12 ] ، ويلحق بذلك جميع الأسباب .
وقد ذكروا منها التعزز في نفسه ، ولا يريد لأحد أن يرتفع عليه ، والتعجب بأن يعجب بنفسه ، ولا يرى أحدا أولى منه ، والخوف من فوات المقاصد عند شخص إذا رآه سيستغني عنه ، وحب الرئاسة ممن لا يريد لأحد أن يتقدم عليه في أي فن أو مجال .
وذكرها
الرازي نقلا عن
nindex.php?page=showalam&ids=14847الغزالي .
ومن هنا لا نرى معجبا بنفسه قط ، إلا ويزدري الآخرين ويحسدهم على أدنى نعمة أنعمها الله عليهم . عافانا الله من ذلك .
تنبيه
إذا كان أول معصية وقعت هي حسد إبليس لأبينا
آدم على ما أنعم الله به عليه ، وجاء حسد المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم على نعمة الوحي ، وحسد
أهل الكتاب للمسلمين على نعمة الإسلام ، وجاءت هذه السورة في أواخر القرآن ، فكأنها جاءت في أعقاب القرآن لتذكر المسلمين بعظم نعمته عليهم وشدة حسدهم عليه ، ليحذروا أعداءهم الذين يكيدون لهم في دينهم ، من كل من الجنة والناس ، على ما سيأتي في السورة بعدها والأخيرة ، إن شاء الله .
nindex.php?page=treesubj&link=29084_18717قَوْلُهُ تَعَالَى : nindex.php?page=tafseer&surano=113&ayano=5وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ .
اقْتِرَانُ الْحَسَدِ بِالسِّحْرِ هُنَا ، يُشِيرُ إِلَى وُجُودِ عَلَاقَةٍ بَيْنَ كُلٍّ مِنَ السِّحْرِ وَالْحَسَدِ ، وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ هُوَ التَّأْثِيرُ الْخَفِيُّ الَّذِي يَكُونُ مِنَ السَّاحِرِ بِالسِّحْرِ ، وَمِنَ الْحَاسِدِ بِالْحَسَدِ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي عُمُومِ الضَّرَرِ ، فَكِلَاهُمَا إِيقَاعُ ضَرَرٍ فِي خَفَاءٍ ، وَكِلَاهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ .
وَقَدْ أَوْضَحَ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ ، أَنْوَاعَ السِّحْرِ وَأَحْكَامَهُ وَأَوْرَدَ فِيهِ كَلَامًا وَافِيًا .
وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا قَدَّمْنَا : أَنَّ الْحَسَدَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِالسِّحْرِ نَوْعًا مَا ، فَلَزِمَ إِيضَاحُهُ وَبَيَانُ أَمْرِهِ بِقَدْرِ الْمُسْتَطَاعِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
أَوْلًا :
nindex.php?page=treesubj&link=18716تَعْرِيفُهُ : قَالُوا : إِنَّ الْحَسَدَ هُوَ تَمَنِّي زَوَالِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ ، أَوْ عَدَمِ حُصُولِ النِّعْمَةِ لِلْغَيْرِ شُحًّا عَلَيْهِ بِهَا .
وَقَدْ قُيِّدَتِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ شَرِّ الْحَاسِدِ إِذَا حَسَدَ ، أَيْ عِنْدَ إِيقَاعِهِ الْحَسَدَ بِالْفِعْلِ ، وَلَمْ يُقَيِّدْهَا مِنْ شَرِّ السَّاحِرِ إِذَا سَحَرَ .
وَذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ : أَنَّ النَّفْثَ فِي الْعُقَدِ هُوَ عَيْنُ السِّحْرِ ، فَتَكُونُ الِاسْتِعَاذَةُ وَاقِعَةً مَوْقِعَهَا عِنْدَ سِحْرِهِ الْوَاقِعِ مِنْهُ بِنَفْثِهِ الْحَاصِلِ مِنْهُ فِي الْعُقَدِ .
أَمَّا الْحَاسِدُ فَلَمْ يَسْتَعِذْ مِنْهُ إِلَّا عِنْدَ إِيقَاعِهِ الْحَسَدَ بِالْفِعْلِ ، أَيْ : عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إِلَى الْمَحْسُودِ ; لِأَنَّهُ قَبْلَ تَوَجُّهِهِ إِلَى الْمَحْسُودِ بِالْحَسَدِ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ شَرٌّ ، فَلَا مَحَلَّ لِلِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ .
أَمَّا حَقِيقَةُ الْحَسَدِ : فَيَتَعَذَّرُ تَعْرِيفُهُ مَنْطِقِيًّا .
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ فِي السِّحْرِ : لَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ لِخَفَائِهِ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَسَدَ أَشَدُّ خَفَاءً ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ نَفْسِيٌّ وَأَثَرٌ قَلْبِيٌّ ، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ : إِنَّهُ كَإِشْعَاعٍ غَيْرِ مَرْئِيٍّ ، يَنْتَقِلُ مِنْ قَلْبِ الْحَاسِدِ إِلَى الْمَحْسُودِ ، عِنْدَ تَحَرُّقِهِ بِقَلْبِهِ عَلَى الْمَحْسُودِ ، وَقَدْ شُبِّهَ حَسَدُ الْحَاسِدِ بِالنَّارِ فِي قَوْلِهِمْ :
[ ص: 163 ] اصْبِرْ عَلَى مَضَضِ الْحَسُودِ فَإِنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُهْ كَالنَّارِ تَأْكُلُ بَعْضَهَا
إِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهُ
وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ وُقُوعَ الْحَسَدِ ، حَيْثُ إِنَّهُ غَيْرُ مُشَاهَدٍ وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِكُلِّ مَوْجُودٍ غَيْرِ مُشَاهَدٍ ، كَالنَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْعَقْلِ .
وَقَدْ شُوهِدَتِ الْيَوْمَ أَشِعَّةُ إِكْس وَهِيَ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ ، وَلَكِنَّهَا تَنْفُذُ إِلَى دَاخِلِ الْجِسْمِ مِنْ إِنْسَانٍ وَحَيَوَانٍ ، بَلْ وَخَشَبٍ وَنَحْوِهِ . وَلَا يَرُدُّهَا إِلَّا مَادَّةُ الرَّصَاصِ لِكَثَافَةِ مَعْدِنِهِ ، فَتَصَوَّرْ دَاخِلَ جِسْمِ الْإِنْسَانِ مِنْ عِظَامٍ وَأَمْعَاءٍ وَغَيْرِهَا ، فَلَا مَعْنَى لِرَدِّ شَيْءٍ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ .
تَنْبِيهٌ
قَدْ أَطْلَقَ الْحَسَدَ هُنَا وَلَمْ يُبَيِّنِ الْمَحْسُودَ عَلَيْهِ ، مَا هُوَ مَعَ أَنَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ زَوَالُ النِّعْمَةِ عَنِ الْغَيْرِ .
وَقَدْ نَبَّهَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ عَلَى
nindex.php?page=treesubj&link=29485أَعْظَمِ النِّعْمَةِ الَّتِي حُسِدَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ عَامَّةً ، وَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً ، وَهِيَ نِعْمَةُ الْإِسْلَامِ وَنِعْمَةُ الْوَحْيِ وَتَحْصِيلِ الْغَنَائِمِ .
فَأَهْلُ الْكِتَابِ حَسَدُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=109وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [ 2 \ 109 ] .
وَالْمُشْرِكُونَ حَسَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نِعْمَةِ الْوَحْيِ إِلَيْهِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=54أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ 4 \ 54 ] .
وَالنَّاسُ هُنَا عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ، وَهُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=173الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [ 3 \ 173 ] .
فَالنَّاسُ الْأُولَى عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ خُصُوصُ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ
نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ .
وَمِمَّا جَاءَ فِيهِ الْحَسَدُ عَنْ نِعْمَةٍ مُتَوَقَّعَةٍ . قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=48&ayano=15سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا [ 48 \ 15 ] .
[ ص: 164 ] فَتَبَيَّنَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنَّ الْحَسَدَ يَكُونُ فِي نِعْمَةٍ مَوْجُودَةٍ ، وَيَكُونُ فِي نِعْمَةٍ مُتَوَقَّعٌ وُجُودُهَا .
تَنْبِيهٌ آخَرُ
تُوجَدُ الْعَيْنُ كَمَا يُوجَدُ الْحَسَدُ ، وَلَمْ أَجِدْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا مَعَ وُجُودِ الْفَرْقِ .
وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009918 " إِنَّ nindex.php?page=treesubj&link=32521الْعَيْنَ لَحَقٌّ " .
كَمَا جَاءَ فِي السُّنَنِ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009919 " لَوْ أَنَّ شَيْئًا يَسْبِقُ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ " .
وَيُقَالُ فِي الْحَسَدِ : حَاسِدٌ ، وَفِي الْعَيْنِ : عَائِنٌ ، وَيَشْتَرِكَانِ فِي الْأَثَرِ ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي الْوَسِيلَةِ وَالْمُنْطَلَقِ .
فَالْحَاسِدُ : قَدْ يَحْسُدُ مَا لَمْ يَرَهُ ، وَيَحْسُدْ فِي الْأَمْرِ الْمُتَوَقَّعِ قَبْلَ وُقُوعِهِ ، وَمَصْدَرُهُ تَحَرُّقُ الْقَلْبِ وَاسْتِكْثَارُ النِّعْمَةِ عَلَى الْمَحْسُودِ ، وَبِتَمَنِّي زَوَالِهَا عَنْهُ أَوْ عَدَمِ حُصُولِهَا لَهُ وَهُوَ غَايَةٌ فِي حِطَّةِ النَّفْسِ .
وَالْعَائِنُ : لَا يَعِينُ إِلَّا مَا يَرَاهُ وَالْمَوْجُودَ بِالْفِعْلِ ، وَمَصْدَرُهُ انْقِدَاحُ نَظْرَةِ الْعَيْنِ ، وَقَدْ يَعِينُ مَا يَكْرَهُ أَنْ يُصَابَ بِأَذًى مِنْهُ كَوَلَدِهِ وَمَالِهِ .
وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَيْضًا الْحَسَدُ ، وَقَدْ
nindex.php?page=treesubj&link=18738يُطْلَقُ الْحَسَدُ وَيُرَادُ بِهِ الْغِبْطَةُ ، وَهُوَ تَمَنِّي مَا يَرَاهُ عِنْدَ الْآخَرِينَ مِنْ غَيْرِ زَوَالِهِ عَنْهُمْ .
وَعَلَيْهِ الْحَدِيثُ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=1009920 " لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْخَيْرِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا بَيْنَ النَّاسِ " .
وَقَالَ
الْقُرْطُبِيُّ : رُوِيَ مَرْفُوعًا
" الْمُؤْمِنُ يَغْبِطُ ، وَالْمُنَافِقُ يَحْسُدُ " .
وَقَالَ : الْحَسَدُ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي السَّمَاءِ ، وَأَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ بِهِ فِي الْأَرْضِ ، فَحَسَدَ إِبْلِيسُ
آدَمَ وَحَسَدَ
قَابِيلُ هَابِيلُ ا هـ .
تَحْذِيرٌ
كُنْتُ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ : إِنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=18717_28798أَوَّلَ مَعْصِيَةٍ وَقَعَتْ هِيَ الْحَسَدُ ، وَجَرَّ شُؤْمُهَا إِلَى غَيْرِهَا ، وَذَلِكَ لَمَّا حَسَدَ إِبْلِيسُ أَبَانَا
آدَمَ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ
[ ص: 165 ] الْكَرَامَاتِ مِنْ خَلْقِهِ بِيَدَيْهِ ، وَأَمْرِ الْمَلَائِكَةِ بِالسُّجُودِ لَهُ ، فَحَمَلَهُ الْحَسَدُ عَلَى التَّكَبُّرِ ، وَمَنَعَهُ التَّكَبُّرُ مِنِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ ، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ طَرْدَهُ ، عِيَاذًا بِاللَّهِ .
nindex.php?page=treesubj&link=18718أَسْبَابُ الْحَسَد
وَبِتَأَمُّلِ الْقِصَّةِ ، يَظْهَرُ أَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْحَسَدِ أَصْلُهُ أَمْرَانِ :
الْأَوَّلُ : ازْدِرَاءُ الْمَحْسُودِ .
وَالثَّانِي : إِعْجَابُ الْحَاسِدِ بِنَفْسِهِ ، كَمَا قَالَ إِبْلِيسُ مُعَلِّلًا لِامْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=12أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [ 7 \ 12 ] .
ثُمَّ فَصَّلَ مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ الْمَزْعُومَةِ بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=12خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ 7 \ 12 ] ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ جَمِيعُ الْأَسْبَابِ .
وَقَدْ ذَكَرُوا مِنْهَا التَّعَزُّزُ فِي نَفْسِهِ ، وَلَا يُرِيدُ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْتَفِعَ عَلَيْهِ ، وَالتَّعَجُّبُ بِأَنْ يَعْجَبَ بِنَفْسِهِ ، وَلَا يَرَى أَحَدًا أَوْلَى مِنْهُ ، وَالْخَوْفُ مِنْ فَوَاتِ الْمَقَاصِدِ عِنْدَ شَخْصٍ إِذَا رَآهُ سَيَسْتَغْنِي عَنْهُ ، وَحُبُّ الرِّئَاسَةِ مِمَّنْ لَا يُرِيدُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي أَيِّ فَنٍّ أَوْ مَجَالٍ .
وَذَكَرَهَا
الرَّازِيُّ نَقْلًا عَنِ
nindex.php?page=showalam&ids=14847الْغَزَالِيِّ .
وَمِنْ هُنَا لَا نَرَى مُعْجَبًا بِنَفْسِهِ قَطُّ ، إِلَّا وَيَزْدَرِي الْآخَرِينَ وَيَحْسُدُهُمْ عَلَى أَدْنَى نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ . عَافَانَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ .
تَنْبِيهٌ
إِذَا كَانَ أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ وَقَعَتْ هِيَ حَسَدُ إِبْلِيسَ لِأَبِينَا
آدَمَ عَلَى مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ ، وَجَاءَ حَسَدُ الْمُشْرِكِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نِعْمَةِ الْوَحْيِ ، وَحَسَدُ
أَهْلِ الْكِتَابِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ ، وَجَاءَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي أَوَاخِرِ الْقُرْآنِ ، فَكَأَنَّهَا جَاءَتْ فِي أَعْقَابِ الْقُرْآنِ لِتُذَكِّرَ الْمُسْلِمِينَ بِعِظَمِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وَشَدَّةِ حَسَدِهِمْ عَلَيْهِ ، لِيَحْذَرُوا أَعْدَاءَهُمُ الَّذِينَ يَكِيدُونَ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ ، مِنْ كُلٍّ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ، عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي السُّورَةِ بَعْدَهَا وَالْأَخِيرَةِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .