nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272nindex.php?page=treesubj&link=28973_28783_32265ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=273للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم .
[ ص: 70 ] أخرج
nindex.php?page=showalam&ids=12508ابن أبي شيبة عن
nindex.php?page=showalam&ids=15992سعيد بن جبير قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
nindex.php?page=hadith&LINKID=918822nindex.php?page=treesubj&link=23494_23498لا تصدقوا إلا على أهل دينكم فأنزل الله - تعالى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272ليس عليك هداهم وأخرج
nindex.php?page=showalam&ids=16328ابن أبي حاتم وغيره عن
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
كان يأمرنا ألا نتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية وأخرج
nindex.php?page=showalam&ids=16935ابن جرير عنه أنه قال : "
كان أناس من الأنصار لهم أنسباء وقرابة ، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم ويريدونهم أن يسلموا فنزلت " والمعنى أن هذه الوقائع تقدمت نزولها ، فلما نزلت كانت فصلا فيها وإلا فهي مرتبطة بما قبلها ، وما قبلها نزل في الفقراء عامة .
قال الأستاذ الإمام : إن الآية السابقة قد أطلقت إيتاء الفقراء وجعلته على عمومه الشامل للمؤمن والكافر ، وقد أرشد الله المسلمين في هذه الآية إلى عدم التحرج من الإنفاق على المشركين لأنهم غير مهديين ; فإن الرحمة بالفقير وسد خلته لا ينبغي أن تتوقف على إيمانه ، بل من شأن المؤمن أن يكون خيره عاما ، وأن يكون سابقا لسائر الناس بالكرم والفضل .
أقول : والخطاب على ما ورد في حديث
سعيد وحديث
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس الأول خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لنهيه عن الإنفاق ، وعلى هذا فالتوجيه عام موجه إلى المؤمنين كافة وإن جاء بضمير المخاطب المفرد ، ويؤيده كونه في سائر الآية بضمائر جمع المخاطبين ، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكلف هداية الكافرين بالفعل وإنما كلف البلاغ فقط ، وأعلم أن أمر الناس في الاهتداء مفوض إلى ربهم ، وما وضعه لسير عقولهم وقلوبهم من السنن فغيره أولى بألا يكلف ذلك ، فليس علينا إذا أن نمنع الخير عن الكافر عقوبة له على كفره أو جذبا له إلى الإيمان واضطرارا له إلى الهداية ، فإن الهداية ليست علينا
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272ولكن الله يهدي من يشاء بتوفيقه إلى النظر الصحيح المؤدي إلى الاعتقاد الجازم الذي يثمر العمل . وأما الباعث على الإنفاق فيجب أن يكون ما أرشدنا إليه - سبحانه - في قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وما تنفقوا من خير فلأنفسكم إلخ . قالوا : معنى هذا أن نفع الإنفاق في الآخرة خاص بكم ، هكذا صرح بعضهم بتقييد النفع بالآخرة : وقال الأستاذ الإمام هنا : أي لأن نفعه عائد عليكم في الدنيا والآخرة .
وسيأتي أنه يجعله خاصا بالدنيا ، ومعنى كونه خيرا في الدنيا أنه يكف شر الفقراء ويدفع عنهم أذاهم فإن الفقراء إذا ضاق بهم الأمر واشتدت بهم الحاجة يندفعون إلى الاعتداء على أهل الثروة بالسرقة والنهب والإيذاء بحسب استطاعتهم ، ثم يسري شرهم إلى غيرهم ، وربما صار فسادا عاما بسوء القدوة ، فيذهب بالأمن والراحة من الأمة ، وقد تقدم لهذا الكلام نظير في موضع آخر . ( قال ) وقوله - تعالى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله قد يكون خيرا على ظاهره ، أي لا تنفقون لأجل جاه أو مكانة عند المنفق عليه ، وإنما تنفقون لوجه الله فلا فرق بين معط ومعطى إلا إذا كان الفقير مستحقا يتقرب بإزالة ضرورته إلى الرزاق
[ ص: 71 ] الرحيم الذي لم يحرم أحدا من رزقه لاعتقاده . أقول : ويؤيده قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=20كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا [ 17 : 20 ] قال : وفي كون الإنفاق لا يكون إلا لوجه الله إشارة إلى أن
nindex.php?page=treesubj&link=23498الإنفاق على الكافرين إذا كان إعانة لهم على إيذاء المسلمين لا يكون جائزا ; لأنه لا يكون مرضيا لله - تعالى - يبتغي به وجهه ، وأكثر المفسرين على أنه خبر بمعنى النهي ، أي لا تنفقوا إلا لوجهه وابتغاء مرضاته - عز وجل - .
ثم قال في قوله - تعالى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وما تنفقوا من خير يوف إليكم أي في الآخرة لا ينقصكم منه شيء ، وعد أولا بأن
nindex.php?page=treesubj&link=23468خير الإنفاق عائد على المنفقين في الدنيا بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272فلأنفسكم ثم وعد بالجزاء عليه في الآخرة موفى تاما ، وقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وأنتم لا تظلمون أي لا تنقصون من الجزاء عليه شيئا ولو نقيرا أو فتيلا . أقول : وقد رأيت أنه جعل هنا قوله - تعالى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272فلأنفسكم خاصا بالدنيا ، وما نقلناه عنه أولا من أنه عام قد قاله في الدرس ، فهل كان سبق لسان أم رجع عنه عند تمام تفسير الآية ، وكيف فاتنا أن نسأله عن ذلك ؟ هذا ما وجدته في مذكرتي لا أذكر شيئا غير ذلك .
أقول : والذي كان تبادر إلى فهمي من قوله - تعالى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله أنه بمعنى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=265الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم [ 2 : 265 ] أي إن أي نفقة من الخير أنفقتم فهي تفيدكم في تثبيت أنفسكم في مقامات الإسلام والإيمان والإحسان ، والحال أنكم ما تنفقون ذلك إلا ابتغاء وجه الله وإرادة رضوانه ، ومتى كان الإنفاق كذلك كان مزكيا ومثبتا للنفس معدا لها ، ومؤهلا لرضوان الله لا يمنع من ذلك كون المنفق عليه مؤمنا أو كافرا ; إذ الإنفاق ليس لأجل التقرب إليه وابتغاء الأجر منه ، وبعد أن ذكر الفائدة الذاتية للإنفاق في نفس المنفق ذكر الجزاء عليه بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وما تنفقوا من خير إلخ . أي وإنكم على استفادتكم من الإنفاق في أنفسكم بترقيتها وجعلها مستحقة لقرب الله ورضوانه ، لا يضيع عليكم ما تنفقونه ، بل توفونه لا تظلمون منه شيئا ، ويدخل في ذلك الأجر عليه في الدنيا والآخرة والكلام على هذا التفسير أشد التئاما وأحسن نظاما ، فالجملتان الشرطيتان فيه متعاطفتان ، وقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله جملة حالية قيد في الشرطية الأولى ; وللإنفاق على هذا فائدتان :
أولاهما: وهي المقصودة بالذات : تثبيت نفس المنفق وترقيتها بالإخلاص لله ابتغاء وجهه .
والأخرى : الثواب عليه في الدنيا والآخرة وهي دون الأولى عند العارفين .
وابتغاء وجه الله بالعمل هو أن يعمل له دون سواه تقربا إليه وإرضاء له لذاته لا للتشوف إلى شيء آخر ، كأن المراد بذلك عرضه عليه ومقابلته به فقط ، ولا يفهم هذا حق فهمه إلا من عرف مراتب الناس ومقاصدهم في خدمة الملوك ، ذلك أن منهم من يعمل للملك
[ ص: 72 ] خوفا من العقوبة على ترك ما فرضه عليه قانونه أو التقصير فيه ، ومنهم من يعمل لأجل اقتضاء الأجر الذي فرض للعمل فهو لا يفكر في غيره ، ومنهم من يعمل فيجيد العمل لأجل الارتقاء من جزاء إلى أكبر منه ، ومنهم - وهو أعلاهم مرتبة - من يعمل العمل الحسن المرضي للملك لأجل أن يكون في نظره محسنا عارفا قيمة العمل الذي أمر به وما وراءه من الحكمة التي كانت علة الأمر فمثل هذا يصح أن يقال فيه : إنه مبتغ وجه الملك ، أي أن يكون في الجهة التي يراه فيها محسنا ، فإن من يتعرض لأن يرى فإنما يأتي من تلقاء الوجه ، ومن الناس من يعمل العمل لا يبتغي به إلا أن يواجه الناس - لا الملوك خاصة - بما يعتقدون أنه كمال لا يبتغي غير ذلك من جلب نفع أو دفع ضر ، فأرشد الله الإنسان أن يكون في عمله الصالح مع الله - تعالى - كذلك ، أي أن يكمل نفسه بالعمل ويبتغي أن يراه الله - تعالى - كاملا يعمل العمل لأنه حسن ، تتحقق به حكمته - تعالى - ، وتقوم به سننه في صلاح البشر ، ولك أن تقول : إن معنى ابتغاء وجه الله - تعالى - هو طلب إقباله ومحبته للعامل ، قال - تعالى - حكاية عن إخوة
يوسف :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=9اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم [ 12 : 9 ] فمعنى خلو وجهه لهم ألا يشاركهم في إقباله عليهم ومحبته لهم مشارك ، ولبعض
الصوفية منزع دقيق في معنى وجه الله ، وهو أن لكل شيء وجهين :
وجها إلى هذا العالم الحادث ، وهو ما يكون عليه فيه ولا بقاء له ; لأن جميع المحدثات عرضة للزوال .
ووجها إلى الدوام والبقاء وهو وجه الله - تعالى - ، فمعنى وجه الله بالاتفاق على هذا المنزع ، أن يقصد به ثمرته الدائمة في الآخرة ، وهي إنما تكون بارتقاء النفس في الكمال الذي يؤهلها للبقاء في مقعد صدق عند مليك مقتدر .
إذا فهمت هذا علمت أنه لا حاجة هنا إلى إيراد طريقتي السلف والخلف في المتشابهات وآيات الصفات ، كأن نقول : إن الوجه صفة لله - تعالى - أو إنها كناية عن الذات ، حتى يكون المعنى على الأول وما تنفقون إلا ابتغاء صفة الله التي سماها وجها ، وآمنا بها مع تنزيهه - تعالى - عن صفات المحدثين ، وعلى الثاني وما تنفقون إلا ابتغاء ذات الله - تعالى - . هذا ما لا يظهر معه للآية معنى ، وكل ما ذكرناه في تفسيرها أظهر منه وأجلى ، وقد رأيت أن الأستاذ اكتفى - كالمفسرين - بجعله معنى مرضاة الله - تعالى - ، وهو صحيح .
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272nindex.php?page=treesubj&link=28973_28783_32265لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=273لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ .
[ ص: 70 ] أَخْرَجَ
nindex.php?page=showalam&ids=12508ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=15992سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :
nindex.php?page=hadith&LINKID=918822nindex.php?page=treesubj&link=23494_23498لَا تَصَّدَّقُوا إِلَّا عَلَى أَهْلِ دِينِكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَأَخْرَجَ
nindex.php?page=showalam&ids=16328ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ عَنِ
nindex.php?page=showalam&ids=11ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
كَانَ يَأْمُرُنَا أَلَّا نَتَصَدَّقَ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَخْرَجَ
nindex.php?page=showalam&ids=16935ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : "
كَانَ أُنَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَهُمْ أَنْسِبَاءُ وَقَرَابَةٌ ، وَكَانُوا يَتَّقُونَ أَنَّ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ وَيُرِيدُونَهُمْ أَنْ يُسْلِمُوا فَنَزَلَتْ " وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْوَقَائِعَ تَقَدَّمَتْ نُزُولَهَا ، فَلَمَّا نَزَلَتْ كَانَتْ فَصْلًا فِيهَا وَإِلَّا فَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِمَا قَبْلَهَا ، وَمَا قَبْلَهَا نَزَلَ فِي الْفُقَرَاءِ عَامَّةً .
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ : إِنَّ الْآيَةَ السَّابِقَةَ قَدْ أَطْلَقَتْ إِيتَاءَ الْفُقَرَاءِ وَجَعَلَتْهُ عَلَى عُمُومِهِ الشَّامِلِ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ ، وَقَدْ أَرْشَدَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى عَدَمِ التَّحَرُّجِ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَهْدِيِّينَ ; فَإِنَّ الرَّحْمَةَ بِالْفَقِيرِ وَسَدِّ خَلَّتِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَوَقَّفَ عَلَى إِيمَانِهِ ، بَلْ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ خَيْرُهُ عَامًّا ، وَأَنْ يَكُونَ سَابِقًا لِسَائِرِ النَّاسِ بِالْكَرَمِ وَالْفَضْلِ .
أَقُولُ : وَالْخِطَابُ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ
سَعِيدٍ وَحَدِيثِ
nindex.php?page=showalam&ids=11ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَوَّلِ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَهْيِهِ عَنِ الْإِنْفَاقِ ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّوْجِيهُ عَامٌّ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً وَإِنْ جَاءَ بِضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ الْمُفْرِدِ ، وَيُؤَيِّدُهُ كَوْنُهُ فِي سَائِرِ الْآيَةِ بِضَمَائِرِ جَمْعِ الْمُخَاطَبِينَ ، وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُكَلَّفْ هِدَايَةَ الْكَافِرِينَ بِالْفِعْلِ وَإِنَّمَا كُلِّفَ الْبَلَاغَ فَقَطْ ، وَأُعْلِمَ أَنَّ أَمْرَ النَّاسِ فِي الِاهْتِدَاءِ مُفَوَّضٌ إِلَى رَبِّهِمْ ، وَمَا وَضَعَهُ لِسَيْرِ عُقُولِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ مِنَ السُّنَنِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى بِأَلَا يُكَلَّفَ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ عَلَيْنَا إِذًا أَنْ نَمْنَعَ الْخَيْرَ عَنِ الْكَافِرِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى كُفْرِهِ أَوْ جَذْبًا لَهُ إِلَى الْإِيمَانِ وَاضْطِرَارًا لَهُ إِلَى الْهِدَايَةِ ، فَإِنَّ الْهِدَايَةَ لَيْسَتْ عَلَيْنَا
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ بِتَوْفِيقِهِ إِلَى النَّظَرِ الصَّحِيحِ الْمُؤَدِّي إِلَى الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ الَّذِي يُثْمِرُ الْعَمَلَ . وَأَمَّا الْبَاعِثُ عَلَى الْإِنْفَاقِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا أَرْشَدَنَا إِلَيْهِ - سُبْحَانَهُ - فِي قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ إِلَخْ . قَالُوا : مَعْنَى هَذَا أَنَّ نَفْعَ الْإِنْفَاقِ فِي الْآخِرَةِ خَاصٌّ بِكُمْ ، هَكَذَا صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِتَقْيِيدِ النَّفْعِ بِالْآخِرَةِ : وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُنَا : أَيْ لِأَنَّ نَفْعَهُ عَائِدٌ عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَجْعَلُهُ خَاصًّا بِالدُّنْيَا ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ خَيْرًا فِي الدُّنْيَا أَنَّهُ يَكُفُّ شَرَّ الْفُقَرَاءِ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ أَذَاهُمْ فَإِنَّ الْفُقَرَاءَ إِذَا ضَاقَ بِهِمُ الْأَمْرُ وَاشْتَدَّتْ بِهِمُ الْحَاجَةُ يَنْدَفِعُونَ إِلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَى أَهْلِ الثَّرْوَةِ بِالسَّرِقَةِ وَالنَّهْبِ وَالْإِيذَاءِ بِحَسْبِ اسْتِطَاعَتِهِمْ ، ثُمَّ يَسْرِي شَرُّهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ ، وَرُبَّمَا صَارَ فَسَادًا عَامًّا بِسُوءِ الْقُدْوَةِ ، فَيَذْهَبُ بِالْأَمْنِ وَالرَّاحَةِ مِنَ الْأُمَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذَا الْكَلَامِ نَظِيرٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ . ( قَالَ ) وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا عَلَى ظَاهِرِهِ ، أَيْ لَا تُنْفِقُونَ لِأَجْلِ جَاهٍ أَوْ مَكَانَةٍ عِنْدَ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا تُنْفِقُونَ لِوَجْهِ اللَّهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُعْطٍ وَمُعْطَى إِلَّا إِذَا كَانَ الْفَقِيرُ مُسْتَحِقًّا يَتَقَرَّبُ بِإِزَالَةِ ضَرُورَتِهِ إِلَى الرَّزَّاقِ
[ ص: 71 ] الرَّحِيمِ الَّذِي لَمْ يَحْرِمْ أَحَدًا مِنْ رِزْقِهِ لِاعْتِقَادِهِ . أَقُولُ : وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=20كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكِ مَحْظُورًا [ 17 : 20 ] قَالَ : وَفِي كَوْنِ الْإِنْفَاقِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِوَجْهِ اللَّهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=23498الْإِنْفَاقَ عَلَى الْكَافِرِينَ إِذَا كَانَ إِعَانَةً لَهُمْ عَلَى إِيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ جَائِزًا ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَرْضِيًّا لِلَّهِ - تَعَالَى - يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَهُ ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ ، أَيْ لَا تُنْفِقُوا إِلَّا لِوَجْهِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - .
ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوفَّ إِلَيْكُمْ أَيْ فِي الْآخِرَةِ لَا يُنْقِصُكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَعَدَ أَوَّلًا بِأَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=23468خَيْرَ الْإِنْفَاقِ عَائِدٌ عَلَى الْمُنْفِقِينَ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272فَلِأَنْفُسِكُمْ ثُمَّ وَعَدَ بِالْجَزَاءِ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ مُوَفًّى تَامًّا ، وَقَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ أَيْ لَا تُنْقَصُونَ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَوْ نَقِيرًا أَوْ فَتِيلًا . أَقُولُ : وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّهُ جَعَلَ هُنَا قَوْلَهُ - تَعَالَى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272فِلِأَنْفُسِكُمْ خَاصًّا بِالدُّنْيَا ، وَمَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّهُ عَامٌّ قَدْ قَالَهُ فِي الدَّرْسِ ، فَهَلْ كَانَ سَبْقَ لِسَانٍ أَمْ رَجَعَ عَنْهُ عِنْدَ تَمَامِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ ، وَكَيْفَ فَاتَنَا أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ؟ هَذَا مَا وَجَدْتُهُ فِي مُذَكِّرَتِي لَا أَذْكُرُ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ .
أَقُولُ : وَالَّذِي كَانَ تَبَادَرَ إِلَى فَهْمِي مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ أَنَّهُ بِمَعْنَى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=265الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ 2 : 265 ] أَيْ إِنَّ أَيَّ نَفَقَةٍ مِنَ الْخَيْرِ أَنْفَقْتُمْ فَهِيَ تُفِيدُكُمْ فِي تَثْبِيتِ أَنْفُسِكُمْ فِي مَقَامَاتِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ ، وَالْحَالُ أَنَّكُمْ مَا تُنْفِقُونَ ذَلِكَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَإِرَادَةَ رِضْوَانِهِ ، وَمَتَى كَانَ الْإِنْفَاقُ كَذَلِكَ كَانَ مُزَكِّيًا وَمُثَبِّتًا لِلنَّفْسِ مُعِدًّا لَهَا ، وَمُؤَهِّلًا لِرِضْوَانِ اللَّهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا ; إِذِ الْإِنْفَاقُ لَيْسَ لِأَجْلِ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَابْتِغَاءِ الْأَجْرِ مِنْهُ ، وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْفَائِدَةَ الذَّاتِيَّةَ لِلْإِنْفَاقِ فِي نَفْسِ الْمُنْفِقِ ذَكَرَ الْجَزَاءَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ إِلَخْ . أَيْ وَإِنَّكُمْ عَلَى اسْتِفَادَتِكُمْ مِنَ الْإِنْفَاقِ فِي أَنْفُسِكُمْ بِتَرْقِيَتِهَا وَجَعْلِهَا مُسْتَحِقَّةً لِقُرْبِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ ، لَا يُضِيعُ عَلَيْكُمْ مَا تُنْفِقُونَهُ ، بَلْ تُوَفَّوْنَهُ لَا تُظْلَمُونَ مِنْهُ شَيْئًا ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَجْرُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَشَدُّ الْتِئَامًا وَأَحْسَنُ نِظَامًا ، فَالْجُمْلَتَانِ الشَّرْطِيَّتَانِ فِيهِ مُتَعَاطِفَتَانِ ، وَقَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=272وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ قَيْدٌ فِي الشُّرْطِيَّةِ الْأُولَى ; وَلِلْإِنْفَاقِ عَلَى هَذَا فَائِدَتَانِ :
أُولَاهُمَا: وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ : تَثْبِيتُ نَفْسِ الْمُنْفِقِ وَتَرْقِيَتُهَا بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ .
وَالْأُخْرَى : الثَّوَابُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهِيَ دُونَ الْأُولَى عِنْدَ الْعَارِفِينَ .
وَابْتِغَاءُ وَجْهِ اللَّهِ بِالْعَمَلِ هُوَ أَنْ يَعْمَلَ لَهُ دُونَ سِوَاهُ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ وَإِرْضَاءً لَهُ لِذَاتِهِ لَا لِلتَّشَوُّفِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ ، كَأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ عَرْضُهُ عَلَيْهِ وَمُقَابَلَتُهُ بِهِ فَقَطْ ، وَلَا يَفْهَمُ هَذَا حَقَّ فَهْمِهِ إِلَّا مَنْ عَرَفَ مَرَاتِبَ النَّاسِ وَمَقَاصِدَهُمْ فِي خِدْمَةِ الْمُلُوكِ ، ذَلِكَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ لِلْمَلِكِ
[ ص: 72 ] خَوْفًا مِنَ الْعُقُوبَةِ عَلَى تَرْكِ مَا فَرَضَهُ عَلَيْهِ قَانُونُهُ أَوِ التَّقْصِيرِ فِيهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ لِأَجْلِ اقْتِضَاءِ الْأَجْرِ الَّذِي فُرِضَ لِلْعَمَلِ فَهُوَ لَا يُفَكِّرُ فِي غَيْرِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ فَيُجِيدُ الْعَمَلَ لِأَجْلِ الِارْتِقَاءِ مِنْ جَزَاءٍ إِلَى أَكْبَرَ مِنْهُ ، وَمِنْهُمْ - وَهُوَ أَعْلَاهُمْ مَرْتَبَةً - مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ الْحَسَنَ الْمُرْضِي لِلْمَلِكِ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ فِي نَظَرِهِ مُحْسِنًا عَارِفًا قِيمَةَ الْعَمَلِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ وَمَا وَرَاءَهُ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي كَانَتْ عِلَّةَ الْأَمْرِ فَمِثْلُ هَذَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ : إِنَّهُ مُبْتَغٍ وَجْهَ الْمَلِكِ ، أَيْ أَنْ يَكُونَ فِي الْجِهَةِ الَّتِي يَرَاهُ فِيهَا مُحْسِنًا ، فَإِنَّ مَنْ يَتَعَرَّضُ لِأَنَّ يُرَى فَإِنَّمَا يَأْتِي مِنْ تِلْقَاءِ الْوَجْهِ ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ لَا يَبْتَغِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُوَاجِهَ النَّاسَ - لَا الْمُلُوكَ خَاصَّةً - بِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ كَمَالٌ لَا يَبْتَغِي غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ ، فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْإِنْسَانَ أَنْ يَكُونَ فِي عَمَلِهِ الصَّالِحِ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى - كَذَلِكَ ، أَيْ أَنْ يُكْمِلَ نَفْسَهُ بِالْعَمَلِ وَيَبْتَغِيَ أَنْ يَرَاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - كَامِلًا يَعْمَلُ الْعَمَلَ لِأَنَّهُ حَسَنٌ ، تَتَحَقَّقُ بِهِ حِكْمَتُهُ - تَعَالَى - ، وَتَقُومُ بِهِ سُنَنُهُ فِي صَلَاحِ الْبَشَرِ ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : إِنَّ مَعْنَى ابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ طَلَبُ إِقْبَالِهِ وَمَحَبَّتِهِ لِلْعَامِلِ ، قَالَ - تَعَالَى - حِكَايَةً عَنْ إِخْوَةِ
يُوسُفَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=9اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ [ 12 : 9 ] فَمَعْنَى خُلُوِّ وَجْهِهِ لَهُمْ أَلَّا يُشَارِكَهُمْ فِي إِقْبَالِهِ عَلَيْهِمْ وَمَحَبَّتِهِ لَهُمْ مُشَارِكٌ ، وَلِبَعْضِ
الصُّوفِيَّةِ مَنْزَعٌ دَقِيقٌ فِي مَعْنَى وَجْهِ اللَّهِ ، وَهُوَ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ وَجْهَيْنِ :
وَجْهًا إِلَى هَذَا الْعَالَمِ الْحَادِثِ ، وَهُوَ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا بَقَاءَ لَهُ ; لِأَنَّ جَمِيعَ الْمُحْدَثَاتِ عُرْضَةٌ لِلزَّوَالِ .
وَوَجْهًا إِلَى الدَّوَامِ وَالْبَقَاءِ وَهُوَ وَجْهُ اللَّهِ - تَعَالَى - ، فَمَعْنَى وَجْهُ اللَّهِ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى هَذَا الْمَنْزَعِ ، أَنْ يَقْصِدَ بِهِ ثَمَرَتَهُ الدَّائِمَةَ فِي الْآخِرَةِ ، وَهِيَ إِنَّمَا تَكُونُ بِارْتِقَاءِ النَّفْسِ فِي الْكَمَالِ الَّذِي يُؤَهِّلُهَا لِلْبَقَاءِ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ .
إِذَا فَهِمَتْ هَذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ هُنَا إِلَى إِيرَادِ طَرِيقَتَيِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ وَآيَاتِ الصِّفَاتِ ، كَأَنْ نَقُولَ : إِنَّ الْوَجْهَ صِفَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - أَوْ إِنَّهَا كِنَايَةٌ عَنِ الذَّاتِ ، حَتَّى يَكُونَ الْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ صِفَةِ اللَّهِ الَّتِي سَمَّاهَا وَجْهًا ، وَآمِنًا بِهَا مَعَ تَنْزِيهِهِ - تَعَالَى - عَنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثِينَ ، وَعَلَى الثَّانِي وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ ذَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى - . هَذَا مَا لَا يَظْهَرُ مَعَهُ لِلْآيَةِ مَعْنًى ، وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِهَا أَظْهَرُ مِنْهُ وَأَجْلَى ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّ الْأُسْتَاذَ اكْتَفَى - كَالْمُفَسِّرِينَ - بِجَعْلِهِ مَعْنَى مَرْضَاةِ اللَّهِ - تَعَالَى - ، وَهُوَ صَحِيحٌ .