الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
117 - وعن علي رضي الله عنه ، قال : سألت خديجة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ولدين ماتا لها في الجاهلية . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هما في النار ) . فلما رأى الكراهة في وجهها قال : ( لو رأيت مكانهما لأبغضتهما ) . قالت : يا رسول الله فولدي منك ؟ قال : ( في الجنة ) . ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن المؤمنين وأولادهم في الجنة ، وإن المشركين وأولادهم في النار ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والذين آمنوا ، واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم )

رواه أحمد .

التالي السابق


117 - ( وعن علي ) : رضي الله عنه ( قال : سألت خديجة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ولدين ماتا لها في الجاهلية ) أي : عن شأنهما ، وأنهما في الجنة ، أو النار ؟ وقال المؤلف : هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية ، كانت تحت بني هالة بن زرارة ، ثم تزوجها عتيق بن عائد ، ثم تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولها يومئذ من العمر أربعون سنة ، ولم ينكح النبي - صلى الله عليه وسلم - قبلها امرأة ، ولا نكح عليها حتى ماتت ، وهي أول من آمن من كافة الناس من ذكرهم ، وأنثاهم ، وجميع أولاده منها غير إبراهيم فإنه من مارية ، وماتت بمكة قبل الهجرة بخمس سنين ، وقيل : بأربع سنين ، وقيل : بثلاث ، وكان قد مضى من النبوة عشر سنين ، وكان لها من العمر خمس وستون سنة ، وكانت مدة مقامها مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - خمسا وعشرين سنة ، ودفنت في الحجون ( فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هما في النار قال ) أي : علي ( فلما رأى ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - ( الكراهة ) أي : أثرها من الكآبة والحزن ( في وجهها قال ) أي : تسلية لها ( لو رأيت مكانهما ) : وهو جهنم ( لأبغضتهما ) : وفي نسخة : لأبغضتيهما بإشباع الكسرة ياء ؛ أي : لو أبصرت منزلتهما في الحقارة والبعد عن نظر الله تعالى لرأيت الكراهة ، وأبغضتهما ، أو لو علمت مكانهما أي : منزلتهما ، وبغض الله إياهما لأبغضتهما ، وتبرأت منهما تبرؤ إبراهيم عن أبيه حيث تبين أنه عدو الله ، ( قالت : يا رسول الله ! فولدي منك ؟ قال : ( في الجنة ) : والمراد بأولادها منه - صلى الله عليه وسلم - : القاسم ، وعبد الله ، وقيل : الطيب ، والطاهر أيضا ، وقيل هما لقبان لعبد الله ، وهو قول الأكثر ، والله أعلم .

( ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن المؤمنين وأولادهم في الجنة ) : وهذا لا خلاف فيه يعتد به ( وإن المشركين ، وأولادهم في النار ) ، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ) : وفي نسخة صحيحة : ذرياتهم ، وهما قراءتان متواترتان . قال الطيبي : وفي الحديث أن الأولاد تابعة لآبائهم لا لأمهاتهم ، ولذلك استشهد لذلك بقوله تعالى : ( ألحقنا بهم ذريتهم ) وأما طريق الاستشهاد لإلحاق أولاد المشركين بالآباء فأن يقال : لا ريب أن هذا الإلحاق لكرامة آبائهم ومزيد سرورهم وغبطتهم في الجنة ، وإلا فينغص عليهم كل نعيم ، ومن ثم قيل : والذين آمنوا في محل نصب على تقدير : وأكرمنا الذين آمنوا ألحقنا بهم على شريطة التفسير . الكشاف : الذين آمنوا : مبتدأ ، وبإيمان ألحقنا بهم ذريتهم خبره ، والذي بينهما اعتراض ، والتنكير في إيمان للتعظيم ، والمعنى بسبب إيمان عظيم رفيع المحل ، وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم ، وإن كانوا لا يستأهلونها تفضلا عليهم وعلى آبائهم ليتم سرورهم ، وليكمل نعيمهم ، وهذا المعنى مفقود في الكفار اهـ .

[ ص: 192 ] قلت : بل كون أولادهم معذبين معهم سبب لزيادة عذابهم ، وشدة عقابهم ، ثم ما ذكره الشراح من تفسير الآية ليس صريحا في المدعى من الحديث ، أو أولاد المؤمنين الصغار تبع لآبائهم في دخول الجنة ، أو في رفع الدرجة ، وإنما يستفاد من تفسير البغوي حيث قال : اختلفوا في تفسير الآية فقال قوم : معناها ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ) يعني : أولادهم الصغار والكبار ، فالكبار بإيمانهم بأنفسهم ، والصغار بإيمان آبائهم ، فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد الأبوين . ألحقنا بهم ذريتهم المؤمنين في الجنة بدرجاتهم ، وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم تكرمة لآبائهم لتقر بذلك أعينهم ، وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وقال آخرون : معناه ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ) البالغون ( بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ) الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم ، وهو قول الضحاك ، ورواية العوفي عن ابن عباس أخبر الله عز وجل أنه يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه يدخلهم الجنة بفضله ، ويلحقهم بدرجته بعمل أبيه من غير أن ينقص الآباء من أعمالهم شيئا فذلك قوله : ( وما ألتناهم ) أي : ما نقصناهم يعني الآباء من عملهم من شيء ، وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعا : " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته ، وإن كانوا دونه في العمل لتقر به عينه . ثم قرأ : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ) الآية اهـ .

وظاهر الآية : إن الذين آمنوا أعم من الآباء ، والأمهات ، ولعل أولاد خديجة في النار لأنها حال موتهم لم تكن مؤمنة ، فلا ينافي قول العلماء الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد الأبوين ، وحينئذ ليس كلام الطيبي على صرافته فتدبر . ( رواه أحمد ) .




الخدمات العلمية