الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب التشهد في الصلاة

404 حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري ومحمد بن عبد الملك الأموي واللفظ لأبي كامل قالوا حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة فلما كان عند القعدة قال رجل من القوم أقرت الصلاة بالبر والزكاة قال فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم انصرف فقال أيكم القائل كلمة كذا وكذا قال فأرم القوم ثم قال أيكم القائل كلمة كذا وكذا فأرم القوم فقال لعلك يا حطان قلتها قال ما قلتها ولقد رهبت أن تبكعني بها فقال رجل من القوم أنا قلتها ولم أرد بها إلا الخير فقال أبو موسى أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذ قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلك بتلك وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم فإن الله تبارك وتعالى قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم سمع الله لمن حمده وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلك بتلك وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة حدثنا سعيد بن أبي عروبة ح وحدثنا أبو غسان المسمعي حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي ح وحدثنا إسحق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن سليمان التيمي كل هؤلاء عن قتادة في هذا الإسناد بمثله وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة وإذا قرأ فأنصتوا وليس في حديث أحد منهم فإن الله قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم سمع الله لمن حمده إلا في رواية أبي كامل وحده عن أبي عوانة قال أبو إسحق قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث فقال مسلم تريد أحفظ من سليمان فقال له أبو بكر فحديث أبي هريرة فقال هو صحيح يعني وإذا قرأ فأنصتوا فقال هو عندي صحيح فقال لم لم تضعه ها هنا قال ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه حدثنا إسحق بن إبراهيم وابن أبي عمر عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بهذا الإسناد وقال في الحديث فإن الله عز وجل قضى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم سمع الله لمن حمده

التالي السابق


قوله : ( أقرت الصلاة بالبر والزكاة ) قالوا : معناه قرنت بهما وأقرت معهما وصار الجميع مأمورا به .

قوله : ( فأرم القوم ) هو بفتح الراء وتشديد الميم أي سكتوا .

[ ص: 91 ] قوله : ( لقد رهبت أن تبكعني ) هو بفتح المثناة في أوله وإسكان الموحدة بعدها أي تبكتني بها وتوبخني .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أقيموا صفوفكم ) أمر بإقامة الصفوف ، وهو مأمور به بإجماع الأمة ، وهو أمر ندب ، والمراد تسويتها والاعتدال فيها وتتميم الأول فالأول منها ، والتراص فيها ، وسيأتي بسط الكلام فيها حيث ذكرها مسلم إن شاء الله تعالى .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ثم ليؤمكم أحدكم ) فيه الأمر بالجماعة في المكتوبات ، ولا خلاف في ذلك ، ولكن اختلفوا في أنه أمر ندب أم إيجاب على أربعة مذاهب فالراجح في مذهبنا وهو نص الشافعي - رحمه الله تعالى - ، وقول أكثر أصحابنا أنها فرض كفاية إذا فعله من يحصل به إظهار هذا الشعار سقط الحرج عن الباقين ، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم .

وقالت طائفة من أصحابنا : هي سنة . وقال ابن خزيمة من أصحابنا : هي فرض عين لكن ليست بشرط فمن تركها وصلى منفردا بلا عذر أثم وصحت صلاته . وقال بعض أهل الظاهر هي شرط لصحة الصلاة . وقال بكل قول من الثلاثة المتقدمة طوائف من العلماء وستأتي المسألة في بابها إن شاء الله تعالى .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فإذا كبر فكبروا ) فيه أمر المأموم بأن يكون تكبيره عقب تكبير الإمام ، ويتضمن مسألتين إحداهما أن لا يكبر قبله ولا معه بل بعده ، فلو شرع المأموم في تكبيرة الإحرام ناويا الاقتداء بالإمام وقد بقي للإمام منها حرف لم يصح إحرام المأموم بلا خلاف ؛ لأنه نوى الاقتداء بمن لم يصر إماما بل بمن سيصير إماما إذا فرغ من التكبير . والثانية أنه يستحب كون تكبيرة المأموم عقب تكبيرة الإمام ولا يتأخر ، فلو تأخر جاز وفاته كمال فضيلة تعجيل التكبير .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وإذا قال : غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا : آمين ) فيه دلالة ظاهرة لما قاله أصحابنا وغيرهم أن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإمام لا بعده . فإذا قال [ ص: 92 ] الإمام : ولا الضالين قال الإمام والمأموم معا : آمين ، وتأولوا قوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أمن الإمام فأمنوا قالوا : معناه إذا أراد التأمين ليجمع بينه وبين هذا الحديث . وهو يريد التأمين في آخر قوله ولا الضالين فيعقب إرادته تأمينه وتأمينكم معا . وفي آمين لغتان المد والقصر ، والمد أفصح ، والميم خفيفة فيهما ، ومعناه استجب ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في التأمين وما يتعلق به في بابه حيث ذكره مسلم .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فقولوا آمين يجبكم الله ) هو بالجيم أي يستجب دعاكم ، وهذا حث عظيم على التأمين فيتأكد الاهتمام به .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم ) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فتلك بتلك ) معناه اجعلوا تكبيركم للركوع وركوعكم بعد تكبيره وركوعه وكذلك رفعكم من الركوع يكون بعد رفعه ومعنى تلك بتلك أن اللحظة التي سبقكم الإمام بها في تقدمه إلى الركوع تنجبر لكم بتأخيركم في الركوع بعد رفعه لحظة فتلك اللحظة بتلك اللحظة وصار قدر ركوعكم كقدر ركوعه ، وقال مثله في السجود .

وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم ) فيه دلالة لما قاله أصحابنا وغيرهم أنه يستحب للإمام الجهر بقوله سمع الله لمن حمده ، وحينئذ يسمعونه فيقولون . وفي دلالة لمذهب من يقول : لا يزيد المأموم على قوله ربنا لك الحمد ، ولا يقول معه : سمع الله لمن حمده . ومذهبنا أنه يجمع بينهما الإمام والمأموم والمنفرد لأنه ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - جمع بينهما ، وثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : صلوا كما رأيتموني أصلي وسيأتي بسط الكلام فيه في بابه إن شاء الله تعالى .

ومعنى ( سمع الله لمن حمده ) أي أجاب دعاء من حمده . ومعنى ( يسمع الله لكم ) يستجب دعاءكم . قوله : ربنا لك الحمد هكذا هو هنا بلا واو ، وفي غير هذا الموضع ربنا ولك الحمد ، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات الواو وبحذفها ، وكلاهما جاءت به روايات كثيرة . والمختار أنه على وجه الجواز ، وأن الأمرين جائزان . ولا ترجيح لأحدهما على الآخر ، ونقل القاضي عياض - رضي الله عنه - اختلافا عن مالك - رحمه الله تعالى - وغيره في الأرجح منهما . وعلى إثبات الواو يكون قوله : ( ربنا ) متعلقا بما قبله تقديره سمع الله لمن حمده يا ربنا فاستجب حمدنا ودعاءنا ، ولك الحمد على هدايتنا لذلك .

قوله : ( إذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم التحيات ) استدل جماعة بهذا على أنه [ ص: 93 ] يقول في أول جلوسه التحيات ، ولا يقول : بسم الله ، وليس هذا الاستدلال بواضح لأنه قال : فليكن من أول ، ولم يقل : فليكن أول . والله أعلم .

قوله : ( وفي حديث جرير عن سليمان التيمي عن قتادة من الزيادة وإذا قرأ فأنصتوا ) هكذا قال أبو إسحاق : قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث فقال مسلم : تريد أحفظ من سليمان فقال له أبو بكر : فحديث أبي هريرة؟ فقال : هو صحيح يعني وإذا قرأ فأنصتوا ، فقال : هو عندي صحيح فقال : لم لم تضعه ههنا؟ قال : ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا ، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه ) فقوله : قال أبو إسحاق هو أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان صاحب مسلم راوي الكتاب عنه وقوله : ( قال أبو بكر في هذا الحديث ) يعني طعن فيه ، وقدح في صحته ، فقال له مسلم ( أتريد أحفظ من سليمان ) يعني أن سليمان كامل الحفظ والضبط فلا تضر مخالفة غيره .

وقوله : ( فقال أبو بكر فحديث أبي هريرة؟ قال : هو صحيح ) يعني قال أبو بكر : لم لم تضعه ههنا في صحيحك؟ فقال مسلم : ليس هذا مجمعا على صحته ، ولكن هو صحيح عندي ، وليس كل صحيح عندي وضعته في هذا الكتاب ، إنما وضعت فيه ما أجمعوا عليه ثم قد ينكر هذا الكلام ويقال : قد وضع أحاديث كثيرة غير مجمع عليها ، وجوابه أنها عند مسلم بصفة المجمع عليه ، ولا يلزم تقليد غيره في ذلك ، وقد ذكرنا في مقدمة هذا الشرح هذا السؤال وجوابه .

واعلم أن هذه الزيادة وهي قوله : ( وإذا قرأ فأنصتوا ) مما اختلف الحافظ في صحته ، فروى البيهقي في السنن الكبير عن أبي داود السجستاني أن هذه اللفظة ليست بمحفوظة ، وكذلك رواه عن يحيى بن معين وأبي حاتم الرازي والدارقطني والحافظ أبي علي النيسابوري شيخ الحاكم أبي عبد الله .

قال البيهقي : قال أبو علي الحافظ : هذه اللفظة غير محفوظة ، قد خالف سليمان التيمي فيها جميع أصحاب قتادة ، واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مقدم على [ ص: 94 ] تصحيح مسلم ، لا سيما ولم يروها مسندة في صحيحه . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث