الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره

جزء التالي صفحة
السابق

لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ( 236 وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير

* * * [ ص: 826 ] بين سبحانه آثار الفراق بين الزوجين بالطلاق أو الموت ; فقد بين العدة ، وهي في معناها حق الزواج وحق الزوج وحق الولد ; وقد ذكر بعد ذلك حق المرأة الخالص ، وهو المهر أو المتعة ، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بإيتاء المهر في قوله تعالى : وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ووجوبه كاملا في حال الطلاق بعد الدخول في قوله تعالى : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا

وفي هذه الآية يبين سبحانه المهر الواجب أو ما يقوم مقامه في الصورة التي قد يتوهم الناس أنه لا مهر فيها ، لأنه لم يفض أحدهما إلى صاحبه ; إذ لم يحصل مساس بينهما ; فقال تعالى : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة الجناح معناه الإثم ، ومعنى تمسوهن هنا أي لم تباشروهن ولم تدخلوا بهن ، وهو كناية جميلة من كنايات القرآن الكريم التي هذبت الألفاظ العربية ، وعلمت الناس الأدب في التعبير ، ليتهذب الذوق الخلقي ، والبياني ، والاجتماعي .

والمس في أصل معناه اللغوي : اللمس ، فهو يطلق على كل ما يكون فيه إدراك بحاسة اللمس ، ثم أطلق على سبيل الكناية على كل ما يكون فيه إصابة حسية أو معنوية ولها مظهر حسي ، ولذا كنى به القرآن الكريم عما يكون بين المرء وزوجه ، كما في هذه الآية الكريمة ، وكما في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقوله تعالى : أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر

وكنى بالمس عما يصيب العقل أو الجسم من مرض أو أذى ; فقد قال تعالى : الذي يتخبطه الشيطان من المس وقال تعالى : مستهم البأساء والضراء وقال تعالى : وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما وقال تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة وهكذا .

[ ص: 827 ] والفريضة معناها المهر المقدر ، وأصل الفرض معناه التقدير ; فمعنى لم تفرضوا لهن فريضة : لم تقدروا لهن تقديرا .

ومعنى الآية الكريمة بعد ذلك التفسير اللفظي ، أنه لا إثم على من يطلق قبل الدخول إذا لم يكن ثمة فريضة مقدرة .

ونفي الجناح أو الإثم عن الطلاق قبل المسيس لا عن مطلق طلاق ; ولقد فهم بعض العلماء أن نفي الإثم هو عن مجرد الطلاق ، لا عن الطلاق المقيد ، واستنبط من هذا أن الطلاق مباح في ذاته من غير نظر إلى دواعيه ; وذلك النظر لا نحسب أنه الصواب ، لسببين :

أحدهما : أن الطلاق أبغض الحلال إلى الله ، وأن الله ما أحل شيئا أبغضه كالطلاق . فلا يمكن أن يكون الأصل فيه الحل من غير نظر إلى دواعيه وبواعثه ; لأنه شرع للحاجة النفسية إليه ، وذلك إذا تعذر قيام المودة في الحياة الزوجية ; ولذا قال سبحانه بعد محاولة الإصلاح بين الزوجين بكل الطرق وتعذر الإصلاح : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته

ثانيهما : إن من المقررات اللغوية أن أداة النفي إذا دخلت على شيء مقيد بوصف أو حال ، فإن النفي لا يكون منصبا عليه مقيدا بذلك القيد ، ويكون القيد هو موضع النفي ، لا أصل الشيء في ذاته ; وكذلك هنا ; فالنفي منصب على الطلاق المقيد بأنه قبل الدخول وقبل فرض فريضة ، أو بالأحرى هو منصب على الطلاق قبل المسيس ، سواء أكان ثمة فريضة أم لم تكن ، ولكنه في حال الفرض للمهر قدر مخصوص ، وفي حال عدم الفرض للمرأة حق آخر معلوم .

[ ص: 828 ] وننتهي من ذلك إلى أن موضوع الآية الكريمة هو حق المرأة في حال الطلاق قبل الدخول ، سواء أكان ثمة فرض أم لم يكن فرض ، وإذا كان ثمة نفي للإثم فهو عن الطلاق في هذه الحال ، وإن نفي الإثم عن الطلاق في هذه الحال ، لا يقتضي نفي الإثم في غيرها ، وإن الفرق بين الحالين واضح ، فإن الفرقة قبل الدخول يكون الضرر الواقع فيها على المرأة أقل ، ولم يستوف فيها شيء من أحكام الزواج ، ولم توثق الصلة فيها بأولاد ، وإقامة بيت ، يتهدم بالطلاق ، أما الطلاق بعد الدخول ، فإن جل أو كل أحكام الزواج فيها تكون قد استوفيت ، والضرر فيها أشد ، وقد يتعدى الضرر إلى ثمرات الزواج ; فنفي الإثم في الحال الأقل ضررا ، أو التي لا ضرر فيها لا يستلزم نفي الإثم في الحال الأشد ضررا .

وقد يقول قائل : إن الطلاق قبل المسيس قد يسيء إلى سمعة المرأة ، ويقول الناس إنه ما طلقها إلا من شيء ، وقد يكون اختياره لها مفوتا لزوج كفء ربما لا يمكن تداركه ، وذلك حق في بعض الأحوال . ويجاب عنه بأن حسن سمعة الأسرة التي تنتمي إليها الزوجة ، وكرم محتدها قد يرد كل إيهام أو اتهام ، وإن ما يعروها من ألم بسبب ذلك الفراق المعجل يخففه التمتيع ، وهو إعطاء المتعة ، وفوق كل هذا إن الاختلاف الذي أدى إلى الافتراق قبل الدخول يدل على أن الاختيار في الزواج لم يكن موفقا ، فكان إنهاؤه قبل الدخول من المصلحة الحقيقية للزوج ، ويهون بجواره كل ألم في سبيل تلك المصلحة ; لأنه يكون الأمر بعد ذلك عيشة كلها مضارة ، أو افتراق في غير الوقت المناسب ، وإذا كانت المرأة قد تألمت فالرجل قد أصابه غرم مالي .

ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين هذا بيان لما تعوض به المرأة إذا حصلت فرقة قبل الدخول وقبل أن يقدر لها شيء من المهر ; فذكر الله سبحانه أن الواجب هو المتعة ; ولذا قال سبحانه : ومتعوهن والمعنى أعطوهن متعة ينتفعن بها ويكون فيها تسرية عن أنفسهن ، وبعض التعويض عما نالهن ، وما فاتهن في هذا الزواج ، فتطيب نفوسهن . والتمتيع [ ص: 829 ] مأخوذ من المتاع ، وأصل المتاع الامتداد في الارتفاع ، يقال متع النهار إذا ارتفع ; ثم انتقل إلى الانتفاع الممتد ، ثم إلى الشيء المنتفع به انتفاعا ممتدا يعلو به الشخص في الحياة الدنيا ، ثم أطلق على كل ما ينتفع به ; ومنه المتعة في الزواج ، وهو ما يعطى للمطلقة لتنتفع به مدة عدتها ; ويلاحظ أن يكون الانتفاع مما يمتد زمنا ، ومما يعلو به الشخص ; ولذا عرفها الشافعي بأنها : شيء نفيس يعطيه المطلق للمرأة لتنتفع به أمدا .

وقد جعل الله سبحانه المتعة تابعة لحال الرجل ، فقال : على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف

الموسع : القادر المطيق للإنفاق عن سعة ، فهو ذو السعة أي القدرة الكبيرة ، كما قال تعالى في الإنفاق : لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله والمقتر هو من كان قليل المال ، مأخوذ من أقتر الرجل بمعنى قل ماله ; والقدر : الطاقة ، أو المقدار ; والمعنى ; على الموسع قدر طاقته ، وعلى المقل قدر طاقته ; وقرئ ( قدره ) ، وهما بمعنى واحد . وبعض العلماء يفرق بينهما فيجعل " القدر " بالتحريك المقدار ، و " القدر " بالتسكين الطاقة ، والمؤدى واحد بلا ريب ; إذ المراد والله أعلم : أن ذلك المال الكثير يكون عطاؤه متناسبا مع ما آتاه الله من بسطة في الرزق ; وذو المال القليل يكون عطاؤه بقدر طاقته .

ولكن مع هذه الرخصة التي أعطيت للمقتر يجب أن يكون ما يعطيه مقدارا يكون الانتفاع به ممتدا زمنا ; ولذا قال سبحانه : متاعا بالمعروف أي يكون شيئا ينتفع به انتفاعا ممتدا في الزمان بالقدر المتعارف بين الناس ، الذي لا يستنكره عرفهم ، ولا الطبقة التي يكون فيها الزوجان بين الناس . والناس أصناف وألوان ، وكل بقدر ما يتعارفه .

ولقد أكد سبحانه وتعالى الطلب في قوله : ومتعوهن أكده بصيغة تفيد أن التمتيع لازم لا مساغ من التخلص من لزومه ، فقال سبحانه عز من قائل : حقا على المحسنين أي أن التمتيع هو حق أي أمر ثابت لازم واجب على المحسنين [ ص: 830 ] الذين يتحرون الإحسان إلى معاشريهم ومخالطيهم والمتصلين بهم ; فالتعبير بالمحسنين ; للإشارة إلى أن ذلك الواجب هو من قبيل الإحسان في المودة ، والإشعار بالقربى في وقت الانفصال ، ومنع الغضاضة والألم ، وتطييب القلوب ; وذلك لا ينافي الوجوب واللزوم .

ولقد قال بعض العلماء : إن التعبير بالمحسنين يدل على أن المتعة غير واجبة ، وذلك لاعتقاده أن الإحسان تبرع غير واجب ، وكان ذلك حقا على المحسنين الذين يلزمون أنفسهم بما لا يلتزم به الناس . ولكن الظاهر غير ذلك القول ; لأن الإحسان لا ينافي الوجوب الذي دل عليه الأمر في قوله تعالى : ومتعوهن وتأكد ذلك الأمر بقوله : حقا على المحسنين لأن الإحسان في ذاته : الإجادة والإتقان وتحري الحق وأداؤه على الوجه الأكمل ، وذلك يتلاقى مع معنى الوجوب ; وقد ورد الإحسان في القرآن في معنى الواجب فقد قال تعالى عن نفوس الكافرين يوم القيامة : أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين أي يكون ممن يؤدون الواجبات كلها فيكون من المحسنين ، وذلك لا يتصور فيه معنى التبرع ، بل وفوق ذلك فإن قوله تعالى : على الموسع قدره وعلى المقتر قدره يؤكد معنى الوجوب ; إذ فيه التعبير بعلى التي تفيد اللزوم ; وفيه أن المقل والمكثر عليهما أداء بطاقتهما ; ولو كانت المتعة تبرعا لأعفي منه المقل ، واستحسنت من المكثر ، ومع أن المتعة واجبة إذا لم يكن ثمة مهر مسمى في العقد ، ولم يكن دخول ; فإن الشارع قد ترك تقديرها إلى نظر المطلق ، وتقديره وطاقته ، ولم يكن لها حد معلوم ; وقد قدرها الحنفية بكسوة كاملة للمرأة وهي لباس الخروج ، فإن المرأة تلبس عادة عند خروجها أكمل ثيابها ، وتركوا نوع الثياب إلى طاقة الرجل وتقديره ، واشترطوا ألا تقل عن خمسة دراهم ، وهي نصف الحد الأدنى للمهر عندهم ، وإذا اختلف الرجل والمرأة في تقديرها ، كان الحكم في ترجيح قول أحدهما على الآخر نصف مهر مثلها ; فإن كان أقل مما ادعى الزوج كان القول قوله ، وإن كان أكثر مما تدعي الزوجة كان القول قولها .

[ ص: 831 ] والمتعة عند الشافعي شيء نفيس يقدمه المطلق لمن طلقها قبل الدخول ، ويكون في طاقته .

وأحمد بن حنبل يتبع ما روي عن ابن عباس من أنه يرى أن المتعة تكون على حسب حال الرجل من يسار وإعسار ; ونوعها يختلف باختلاف اليسر والعسر ، وقد قال ابن عباس : أرفع المتعة الخادم ( أي عبد أو أمة يعطيها إياها ) وأوسط المتعة الكسوة ، وأدناها النفقة . وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : متعة الطلاق أعلاها الخادم ، ودون ذلك الورق ( أي الدراهم تعطاها ) ودون ذلك الكسوة . وقد كان الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم والتابعون من بعدهم يبالغون في العطاء على قدر طاقتهم ليقوموا بالتسريح بإحسان ، وتطيب نفس مطلقاتهم ، حتى إن الحسن بن علي رضي الله عنهما قد متع امرأة طلقها بعشرة آلاف درهم ، فقالت المرأة : متاع قليل من حبيب مفارق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث