الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 451 ]

ورد ، بوجوب نية القضاء عليهم إجماعا ، وبقول عائشة رضي الله عنها : ( كنا نحيض فنؤمر بقضاء الصوم ) ، وبأن ثبوت العبادة في الذمة ، كدين الآدمي غير ممتنع ، فكلاهما يقضى . وفعل الزكاة والصلاة الفائتة بعد تأخيرهما عن وقت وجوبهما لا يسمى قضاء ، لعدم تعين وقت الزكاة ، وامتناع قضاء القضاء .

التالي السابق


قوله : " ورد بوجوب نية القضاء عليهم إجماعا " ، إلى آخره ، أي : ورد هذا القول الذي فصل فيه : بين أن يكون الترك لا لعذر ، فيكون قضاء ، وبين أن يكون لعذر ، فلا يكون قضاء ، بوجوه :

أحدها : أن الحائض والمريض والمسافر إذا صاموا بعد زوال عذرهم ، تجب عليهم نية القضاء بالإجماع ، وكل ما وجبت فيه نية القضاء ، فهو قضاء ، إذ لو كان أداء ، لما جاز أن ينووا القضاء فيه ، لأنهم حينئذ ينوون غير الواجب عليهم ، فلا يكون لهم ، عملا بقوله عليه السلام : وإنما لكل امرئ ما نوى . الوجه الثاني : قول عائشة رضي الله عنها : " كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه ومعناه في " الصحيح " . فسمته قضاء ، وأخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسميه قضاء ويأمر به .

لا يقال : إنما سماه قضاء لغة ، والقضاء والأداء في اللغة قد يكونان بمعنى [ ص: 452 ] واحد ، نحو : قضيت الدين وأديته ، لأنا نقول : هو وإن كان في اللغة كذلك إلا أن ألفاظ الشارع المبينة لأحكام الشرع إنما تحمل على موضوعاتها الشرعية الاصطلاحية ، والقضاء والأداء في الاصطلاح الشرعي متغايران كما تقرر .

الوجه الثالث : أن ثبوت العبادة في الذمة غير ممتنع ، كما أن ثبوت دين الآدمي في الذمة غير ممتنع ، وإذا كان ثبوتها في الذمة جائزا ، كان فعلها خارج وقتها بعد ثبوتها في الذمة قضاء كدين الآدمي ، والدليل على عدم امتناع ثبوت العبادة في الذمة ، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فدين الله أحق بالقضاء يعني من دين الآدمي ، فشبه دين الله تعالى بدين الآدمي في القضاء الذي الثبوت في الذمة من لوازمه ، فدل على أن دين الله سبحانه وتعالى يثبت في الذمة ، والعبادات من دينه ، فيثبت في الذمة . ولأن معنى الثبوت في الذمة هو أن المكلف يجب عليه الفعل متراخيا ، وهذا ممكن في العبادات وغيرها ، فيجب في الذمة ، ويستدرك فعلها بالقضاء .

فأما قولهم : العبادة غير واجبة حال العذر ، قلنا : أداؤها هو الذي ليس بواجب ، أما التزامها في الذمة ، فهو واجب ، وإنما لم يعصوا بموتهم حال العذر ، لأنهم غير مكلفين بفعلها حينئذ ، كالنائم والناسي ، هما مخاطبان بالوجوب ، ويسقط عنهما الإثم بترك الفعل حال النوم والنسيان لأجل العذر .

وسبب الخلاف في هذا أن شرط القضاء ، هل هو تقدم وجوب الفعل أو تقدم [ ص: 453 ] سببه فقط ؟ فعلى الأول : لا يكون فعل الحائض للصوم بعد رمضان قضاء ، لأنه لم يكن واجبا عليها ، فانتفى شرط القضاء ، فانتفى لانتفاء شرطه .

وعلى الثاني : يكون قضاء ، لأن حقيقة الوجوب ، وإن انتفت ، لكن سبب الوجوب موجود ، وهو أهليتها للتكليف ، ثم تقدم السبب قد يكون مع الإثم بالترك ، كالتارك المتعمد المتمكن من الفعل ، وقد لا يكون مع الإثم ، كالنائم والحائض . ثم المزيل للإثم قد يكون من جهة العبد ، كالسفر ، وقد لا يكون ، كالحيض ، ثم قد يصح معه الأداء ، كالمرض ، وقد لا يصح ، إما شرعا كالحيض ، أو عقلا كالنوم .

قلت : التحقيق أن التزام العبادة واجب حال العذر عملا بالخطاب السابق ، وإيقاعها حينئذ غير واجب لأجل العذر .

تنبيه : الفعل المقدر وقته إن لم ينعقد سبب وجوبه ، لم يكن فعله بعد الوقت قضاء إجماعا ، وإن انعقد سبب وجوبه ووجب ، كان فعله خارج الوقت قضاء حقيقة ، وإن انعقد سبب وجوبه ولم يجب لمعارض ، سمي قضاء أيضا ، لكن اختلف فيه . هل هو قضاء حقيقة أو مجازا ؟ ومأخذ الخلاف أن القضاء في محل الوفاق ، هل كان لاستدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه ، فيكون هاهنا حقيقة لانعقاد سبب الوجوب ، أو لاستدراك مصلحة ما وجب ، فيكون هاهنا مجاز لعدم الوجوب .

هذا حاصل ما ذكره الآمدي ، وهو تلخيص حسن ومأخذ جيد .

قوله : " وفعل الزكاة والصلاة الفائتة بعد تأخيرهما عن وقت وجوبهما لا يسمى قضاء لعدم تعين وقت الزكاة وامتناع قضاء القضاء " .

هاتان صورتان قد يقع التردد فيهما ، هل هما قضاء أو لا ؟ فبين حكمهما [ ص: 454 ] وأنهما ليسا قضاء .

أما الزكاة ، فإنها تجب عند تمام الحول على الفور ، فهو وقت وجوبها ، فلو أخرت عنه لغير عذر مسوغ للتأخير ، ثم أديت ، لم تسم قضاء لوجهين :

أحدهما : أن وقتها غير محدود الطرفين ، مقدر كتقدير أوقات الصلاة ، ونحن قلنا : إن القضاء هو فعل الواجب خارج وقته المقدر له شرعا .

قلت : وهذا الوجه ضعيف ، لأن تحديد الوقت بطرفيه لا تأثير له هاهنا ، بل المؤثر أن يكون مقدار وقته معلوما في الجملة ، ووقت وجوب الزكاة معلوم المقدار ، وهو بعد تمام الحول بقدر ما يتسع لأدائها .

الوجه الثاني : أن كل وقت من الأوقات التي يؤخر أداؤها فيها هو مخاطب بإخراجها فيه ، وذلك واجب عليه ، فلو قلنا : إن أداءها في الوقت الثاني بعد تأخيرها عن وقت وجوبها الأول قضاء ، لزم مثل ذلك في الثالث والرابع وما بعده إلى غير نهاية ، فيلزم بتقدير تأخيرها أزمنة كثيرة ، ثم يؤديها ، أن يقال : هذا الإخراج لها هو قضاء قضاء قضاء القضاء ، بألفاظ كثيرة ، وكذلك الصلاة : إذا أخرت عن وقت وجوبها الأول ، وجب فعلها في الوقت الثاني ، وهو حال الذكر أو الانتباه لقوله عليه السلام : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ، فذلك وقتها [ ص: 455 ] رواه غير واحد من الأئمة .

فلو أخرها وقت الانتباه قدر ما يتسع لفعلها فصاعدا ، ثم فعلها ، لم يسم هذا الفعل قضاء ، لأنه لو سمي قضاء للزم أن يسمى قضاء القضاء ، لأنه كذلك في التحقيق ، لكنه غير معهود ، ويفضي إلى كثرة ألفاظ القضاء كما ذكرناه في الزكاة .

قلت : العبادة لا تخلو من أن تكون أداء أو قضاء ، فإذا نفينا أن تكون هاتان الصورتان قضاء ، لزم أن يكونا أداء لاستحالة خلو المحل عن الضدين ، لكنها ليست أداء لفوات الوقت الأول ، فتعين أن تكون قضاء في الحقيقة ، لكنهم إنما رفضوا تسميتها قضاء واستعمال لفظ القضاء فيها تخفيفا ، استثقالا لتكرار لفظ القضاء ، وإلا فحقيقة القضاء استدراك مصلحة فائتة ، وهذا كذلك .

تنبيه : هذا الذي ذكرناه : هو شرح عبارة " المختصر " على ما أشار إليه الشيخ أبو محمد في " الروضة " ، وفيه تكلف وعدم تحقيق لحد القضاء .

والأحسن في حده ما ذكره القرافي ، حيث قال : القضاء إيقاع العبادة خارج وقتها الذي عينه الشرع لمصلحة فيه ، أي : في الوقت ، احتراز من الوقت الذي عينه الشرع لمصلحة المأمور به ، كالفوريات التي عين الشرع لها الزمن الذي يلي [ ص: 456 ] ورود الأمر ، فإن المصلحة في المأمورات كانت لا في الوقت الفوري ، بخلاف الأوقات المعينة للعبادات ، فإن المصلحة في أوقاتها ، وإن كانت لا تظهر ، فإزالة المنكر ، وإنقاذ الغريق ونحوه واجب على الفور لمصلحة في الإزالة والإنقاذ في أي وقت كان ، وأما تعيين وقت الزوال للظهر ، وسائر أوقات الصلوات لها دون غيرها من الأوقات ، فهو لمصلحة في الوقت استأثر الله تعالى بعلمها .

وعلى هذا التقدير تخرج صورة الزكاة والصلاة الفائتة إذا فعلا بعد تأخيرهما عن وقت وجوبهما عن كونهما قضاء بمقتضى هذا الحد ، لأنهما فوريتان مصلحتهما في فعلهما لا في وقتهما ، ويطرد هذا في الحج حيث قلنا بوجوبه على الفور ، إذ المصلحة في فعله لا في وقته ، من حيث هو مأمور به ، لا من حيث كونه عبادة أو حجا . فإذن له جهتان :

إحداهما : جهة كونه مأمورا به على الفور ، فمصلحته فيه .

والثانية : كونه عبادة ، فالمصلحة فيه وفي وقته الخاص ، وهي أشهر الحج ، وهذا المكان يحتمل أكثر من هذا .

فائدة : العبادات قد توصف بالأداء والقضاء ، كالصلوات الخمس ، وقد لا توصف بهما ، كالنوافل ، لعدم تقدير وقتها . وقد توصف بالأداء وحده ، كالجمعة ، والعيدين .

وعدم القضاء فيهما للتوقيف أو الإجماع ، لا لامتناعه عقلا ولا شرعا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث