الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة

باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة

736 حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين

التالي السابق


باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي - صلى الله عليه وسلم - في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة

قال القاضي عياض في حديث عائشة من رواية سعد بن هشام : ( قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - بتسع ركعات ) [ ص: 362 ] وحديث عروة عن عائشة : ( بإحدى عشرة منهن الوتر ، يسلم من كل ركعتين ، وكان يركع ركعتي الفجر إذا جاءه المؤذن ) ومن رواية هشام بن عروة وغيره عن عروة عنها : ( ثلاث عشرة بركعتي الفجر ) ، وعنها ( كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة أربعا أربعا وثلاثا ) ، وعنها : ( كان يصلي ثلاث عشرة ، ثمانيا ثم يوتر ثم يصلي ركعتين وهو جالس ، ثم يصلي ركعتي الفجر ) .

وقد فسرتها في الحديث الآخر منها ركعتا الفجر ، وعنها في البخاري : أن صلاته - صلى الله عليه وسلم - بالليل سبع وتسع . وذكر البخاري ومسلم بعد [ ص: 363 ] هذا من حديث ابن عباس أن صلاته - صلى الله عليه وسلم - من الليل ثلاث عشرة ركعة ، وركعتين بعد الفجر : سنة الصبح ، وفي حديث زيد بن خالد أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين خفيفتين ثم طويلتين وذكر الحديث ، وقال في آخره : فتلك ثلاث عشرة . قال القاضي : قال العلماء في هذه الأحاديث إخبار كل واحد من ابن عباس وزيد وعائشة بما شاهده .

وأما الاختلاف في حديث عائشة فقيل : هو منها ، وقيل : من الرواة عنها ، فيحتمل أن إخبارها بأحد عشرة هو الأغلب ، وباقي رواياتها إخبار منها بما كان يقع نادرا في بعض الأوقات ، فأكثره خمس عشرة بركعتي الفجر ، وأقله سبع ، وذلك بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت أو ضيقه بطول قراءة ، كما جاء في حديث حذيفة وابن مسعود ، أو لنوم أو عذر مرض أو غيره أو في بعض الأوقات عند كبر السن كما قالت : ( فلما أسن صلى سبع ركعات ) ، أو تارة تعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل ، كما رواه زيد بن خالد ، وروتها عائشة بعدها ، هذا في مسلم ، وتعد ركعتي الفجر تارة وتحذفهما تارة أو تعد إحداهما ، وقد تكون عدت راتبة العشاء مع ذلك تارة وحذفتها تارة .

قال القاضي : ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه ، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر ، وإنما الخلاف في فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وما اختاره لنفسه . والله أعلم .

قوله : ( ويوتر منها بواحدة ) دليل على أن أقل الوتر ركعة ، وأن الركعة الفردة صلاة صحيحة ، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور ، وقال أبو حنيفة : لا يصح الإيتار بواحدة ولا تكون الركعة الواحدة صلاة قط ، والأحاديث الصحيحة ترد عليه .

قولها : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين ) قال القاضي عياض : في هذا الحديث أن الاضطجاع بعد صلاة الليل وقبل ركعتي الفجر ، وفي الرواية الأخرى عن عائشة ( أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يضطجع بعد ركعتي الفجر ) وفي حديث ابن عباس ( أن الاضطجاع كان بعد صلاة الليل قبل ركعتي الفجر ) . قال : وهذا فيه رد على الشافعي وأصحابه في قولهم : أن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر سنة .

قال : وذهب مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة إلى أنه بدعة ، وأشار إلى أن رواية الاضطجاع بعد ركعتي الفجر مرجوحة . قال : فتقدم رواية الاضطجاع قبلهما . قال : ولم يقل أحد في الاضطجاع قبلهما أنه سنة فكذا بعدها . قال : وقد ذكر مسلم عن عائشة : ( فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع ) فهذا يدل على أنه ليس بسنة ، وأنه تارة كان يضطجع قبل وتارة بعد وتارة لا يضطجع .

هذا كلام القاضي ، والصحيح أو الصواب : أن الاضطجاع بعد سنة الفجر لحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه ) . رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم . قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح . فهذا حديث صحيح صريح في الأمر بالاضطجاع . وأما حديث عائشة بالاضطجاع بعدها وقبلها وحديث ابن عباس قبلها فلا يخالف هذا ؛ فإنه لا يلزم من الاضطجاع قبلها ألا يضطجع بعد ، ولعله - صلى الله عليه وسلم - ترك الاضطجاع بعدها في بعض الأوقات بيانا للجواز لو ثبت الترك ولم يثبت ، فلعله كان يضطجع قبل [ ص: 364 ] وبعد ، وإذا صح الحديث في الأمر بالاضطجاع بعدها مع روايات الفعل الموافقة للأمر به تعين المصير إليه ، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث لم يجز رد بعضها ، وقد أمكن بطريقين أشرنا إليهما . أحدهما : أنه اضطجع قبل وبعد . والثاني : أنه تركه بعد في بعض الأوقات لبيان الجواز . والله أعلم .

قولها : ( اضطجع على شقه الأيمن ) دليل على استحباب الاضطجاع والنوم على الشق الأيمن . قال العلماء : وحكمته أنه لا يستغرق في النوم ، لأن القلب في جنبه اليسار فيعلق حينئذ فلا يستغرق ، وإذا نام على اليسار كان في دعة واستراحة فيستغرق .

قولها : ( حتى يأتيه المؤذن ) دليل على استحباب اتخاذ مؤذن راتب للمسجد . وفيه : جواز إعلام المؤذن الإمام بحضور الصلاة وإقامتها واستدعائه لها ، وقد صرح به أصحابنا وغيرهم .

قولها : ( فيصلي ركعتين خفيفتين ) هما سنة الصبح ، وفيه دليل على تخفيفهما ، وقد سبق بيانه في بابه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث