الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الركن الثالث : الأهل ، فلا يصح تدبير مجنون ، ولا صبي لا يميز ، ولا مميز على الأظهر ، فإن صححناه ، صح رجوعه بالقول إن جوزنا الرجوع عن التدبير بالقول ، وفيه وجه . وإن قلنا : يملك الرجوع بالقول ، فالتصرف الذي يحصل به الرجوع ، لا يصح منه ، لكن يقوم [ ص: 192 ] الولي مقامه ، فإذا رأى المصلحة في بيعه ، باعه ، وبطل التدبير ، ويصح تدبير المحجور عليه بسفه على المذهب ، وقيل : قولان كالمميز ، فإن صححنا ، فرجوعه كما ذكرنا في المميز ، وتدبير المحجور عليه بفلس كإعتاقه ، وقد سبق في التفليس .

وفي تدبير السكران الخلاف السابق في سائر تصرفاته . وفي تدبير المرتد أقوال مبنية على ملكه ، إن قلنا : باق ، صح تدبيره ، وإن قلنا : زال ، فلا . وإن قلنا : موقوف ، فتدبيره موقوف ، إن أسلم ، بان صحته ، وإن مات مرتدا ، بان فساده . وحكي قول في بطلان تدبيره على قول الوقف ، ثم قال ابن سلمة : الأقوال إذا حجر القاضي عليه ، فأما قبله ، فيصح قطعا ، وقال أبو إسحاق : هي قبل الحجر ، فأما بعده ، فلا يصح قطعا . وقال غيرهما بطرد الأقوال في الحالين . وقد سبق في الردة أن البغوي جعل الوقف أصح . وروى بعضهم أن الشافعي رضي الله عنه قال : أشبه الأقوال بالصحة زوال الملك بنفس الردة ، وبه أقول . ولو دبر عبدا ، ثم ارتد ، فثلاث طرق ، أصحها وهو الذي رجحه ابن كج ، والعراقيون ، وبه قال أبو إسحاق : لا يبطل التدبير قطعا ، فإذا مات مرتدا ، عتق العبد ، صيانة لحق العبد عن الضياع ، كحق الغرماء ، وكما لا يبطل بيعه وسائر عقوده .

والثاني : يبطل قطعا ; لأنه لو بقي ، لنفذ من الثلث ، وما نفذ من الثلث ، اشترط فيه بقاء الثلثين للورثة ، وهذا ضعيف ، وعلى هذا تبطل وصايا المرتد .

والثالث ، وبه قال ابن سلمة : يبنى على أقوال الملك ، إن بقي ، فالتدبير باق ، وإن زال ، بطل . وإن وقف ، فإن قلنا بالبطلان ، فأسلم ، عاد ملكه ، وعاد التدبير على [ ص: 193 ] المذهب . وقيل : قولان ، كعود الحنث ، كما لو باع مدبرا ، ثم ملكه . وإن أبقينا التدبير ، عتق المدبر من الثلث ، وجعل الثلثان فيئا ، وفي وجه : يعتق كله ، ورعاية الثلث والثلثين يختص بالميراث . ولو ارتد المدبر ، قتل كالقن ، لكن لا يبطل التدبير بالردة ، كما لا يبطل الاستيلاد والكتابة بالردة . فلو مات السيد قبل قتله ، عتق . ولو التحق المرتد بدار الحرب ، فسبي ، فهو على تدبيره ، ولا يجوز استرقاقه ; لأنه إن كان سيده حيا ، فهو له ، وإن مات ، فولاؤه له ، ولا يجوز إبطاله ، فإن كان سيده ذميا ، ففي جواز استرقاق عتيقه خلاف سبق . ولو استولى الكفار على مدبر مسلم ، ثم عاد إلى يد المسلمين ، فهو مدبر كما كان .

فرع

الكافر الأصلي ، يصح تدبيره وتعليقه العتق بصفة ، كما يصح استيلاده ، سواء الكتابي ، والمجوسي ، والوثني والحربي ، والذمي ، ولا يمنع الكافر من حمل مدبره ومستولدته الكافرين إلى دار الحرب ، سواء جرى التدبير في دار الإسلام ، أو دار الحرب ، وليس له حمل مكاتبه الكافر قهرا ، لظهور استقلاله . ولو دبر كافر عبدا كافرا ، ثم أسلم العبد ، فإن رجع السيد عن التدبير بالقول ، وجوزناه ، بيع عليه ، وإلا ، ففي بيعه قولان منصوصان في " الأم " أحدهما : يباع عليه ، ويبطل التدبير دفعا لإذلاله ، وأظهرهما : لا يباع ، بل يبقى التدبير ، لتوقع الحرية ، ولكن يخرج من يده ، ويجعل في يد عدل ، ويصرف كسبه إليه ، كما لو أسلمت مستولدته ، فإن خرج سيده إلى دار الحرب ، أنفق من كسبه عليه ، وبعث ما فضل إلى السيد ، [ ص: 194 ] فإذا مات ، عتق من الثلث ، فإن بقي منه شيء للورثة ، بيع عليهم . ولو أسلم مكاتب الكافر ، فقيل : قولان كالمدبر ، والمذهب أنه لا يباع ، بل تبقى الكتابة ، لانقطاع سلطة السيد واستقلاله ، فإن عجزه السيد ، بيع عليه .

فرع

إذا دبر أحد الشريكين نصيبه ، فالمشهور أنه لا يسري ولا يقوم عليه نصيب شريكه ، فإن مات وعتق نصيبه ، لم يسر أيضا إلى نصيب الشريك ; لأن الميت معسر ، بخلاف ما إذا علق عتق نصيبه بصفة فوجدت وهو موسر ، يسري . وفي قول : يسري ، وحكي هذا وجها . ولو دبر بعض عبده الخالص ، صح ، ولا سراية ، ويجيء فيه الخلاف في نصيب الشريك وأولى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث