الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ولا يجوز للمملوك أن ينظر من سيدته إلا ما يجوز للأجنبي النظر إليه منها ) . وقال مالك : هو كالمحرم ، وهو أحد قولي الشافعي لقوله تعالى { أو ما ملكت أيمانهن } ولأن الحاجة متحققة لدخوله عليها من غير استئذان . ولنا أنه فحل غير محرم ولا زوج ، والشهوة متحققة لجواز النكاح في الجملة والحاجة قاصرة ; لأنه يعمل خارج البيت . [ ص: 38 ] والمراد بالنص الإماء ، قال سعيد والحسن وغيرهما : لا تغرنكم سورة النور فإنها في الإناث دون الذكور

[ ص: 38 ]

التالي السابق


[ ص: 38 ] قوله والمراد بالنص الإماء قال سعيد والحسن وغيرهما لا تغرنكم سورة النور فإنها في الإناث دون الذكور ) قال صاحب النهاية أطلق اسم سعيد ولم يقيده بالنسبة ليصح تناوله للسعيدين على ما روينا من رواية المبسوط انتهى . وتبعه جماعة من الشراح في هذا التوجيه . ورده صاحب الغاية حيث قال : أراد به سعيد بن المسيب لما ذكرنا عن الكشاف . وقال بعضهم في شرحه : إنما أطلق السعيد ليتناول السعيدين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ، وفيه نظر ; لأنه يلزم حينئذ أن يكون للمشترك عموم في موضع الإثبات وهو فاسد انتهى .

أقول : نظره ساقط ، إذ الظاهر أن مراد هؤلاء الشراح بالتناول في قولهم ليتناول السعيدين هو التناول على سبيل البدل لا التناول على سبيل الشمول والعموم ، ولا شك أن المشترك يتناول معانيه على سبيل البدل ، ولقد صرحوا به حتى قال المحقق التفتازاني في التلويح : والمشترك مستغرق لمعانيه على سبيل البدل ، والذي لا يجوز عندنا دون الشافعي إنما هو عموم المشترك لمعاينة على سبيل الشمول في إطلاق واحد كما تقرر في علم الأصول ، وهو غير لازم من عبارة هؤلاء الشراح . وقال الشارح العيني بعد نقل كلام هؤلاء الشراح : ونظر صاحب الغاية فيه . قلت : نظره وارد ولكن تعليله غير مستقيم ، أما وروده فلأنه لم يستعمل أحد من السلف لفظ سعيد من غير نسبة ، وأراد به سعيد بن المسيب أو سعيد بن جبير . وأما أن تعليله غير مستقيم فلأنه ادعى فيه لزوم عموم المشترك ، ولا نسلم ثبوت الاشتراك هاهنا ; لأن الاشتراك ما وضع لمعان انتهى . أقول : كلا دخليه ليس بشيء . أما الأول فلأنه لا شك أن العلم هو لفظ سعيد لا مجموع سعيد بن المسيب أو سعيد بن جبير ، فعدم استعمال السلف لفظ سعيد من غير نسبة في سعيد بن المسيب أو سعيد بن جبير على تقدير صحته ليس لعدم صحة إطلاق لفظ سعيد وحده على أحد منهما ، وإلا لما كان علما لكل واحد منهما بل لقصدهم زيادة إظهار المراد وتعيينه ، وإذا كان مقصود المصنف تناول لفظ سعيد هاهنا للسعيدين كما ذهب إليه هؤلاء الشراح لزمه ترك النسبة وصح الإطلاق .

وأما الثاني فلأن لفظ سعيد علم مشترك ، والأعلام المشتركة مما تقرر أمره في علم النحو فكيف يمنع ثبوت الاشتراك هاهنا . وقوله لأن الاشتراك ما وضع لمعان لا يجدي شيئا ، لأنه إن أراد بالمعاني ما يستفاد من اللفظ فهو متحقق في العلم المشترك أيضا بلا ريب . وإن أراد بها الصور العقلية المقابلة للأعيان الخارجية فليست تلك بمعتبرة في معنى المشترك ، فإن المشترك ما وضع لمتعدد بوضع متعدد : أي شيء كان ذلك المتعدد الموضوع له ، والأمر في العلم المشترك كذلك فإنه لا يتناول مسمياته بوضع واحد بل لكل واحد منهما وضع مستقل كما عرف في موضعه .

ثم إن صاحب العناية علل كون المراد بالنص الإماء بوجه آخر حيث قال : ولأن الذكور مخاطبون بقوله تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } فلو دخلوا في قوله عز وجل { أو ما ملكت أيمانهن } لزم التعارض انتهى . أقول : ليس ذاك بصحيح . أما أولا فلأنه ينتقض [ ص: 39 ] بخطاب الإناث أيضا بقوله تعالى { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن } فإن مقتضى ما ذكره أن لا تدخل الإماء أيضا في قوله عز وجل { أو ما ملكت أيمانهن } بناء على لزوم التعارض بينه وبين قوله تعالى { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن } مع أن دخول الإماء فيه مجمع عليه .

وأما ثانيا فلأن اللازم من كون الذكور من المماليك مخاطبين بقوله تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } دخولهم في جانب الغاضين من أبصارهم لا في جانب من يجب غض البصر عنه وهو الذي منع النظر إليه ، فإن كلمة من في قوله تعالى من أبصارهم للتبعيض كما صرح به المفسرون ، فكأن المعنى يغضوا بعضا من أبصارهم وهو غير معين فكانت تلك الآية مجملة في حق من منع النظر إليه ، فلو دخل الذكور من المماليك في قوله تعالى { أو ما ملكت أيمانهن } لم يلزم التعارض بين الآيتين أصلا ، وإنما يلزم أن يكون إحدى الآيتين مبينة لما في الآية الأخرى من الإجمال ، وهو معنى صحيح حسن مقرر على كل حال ، فإن قوله تعالى { أو ما ملكت أيمانهن } على تقدير أن لا يدخل فيه ذكور المماليك كما هو مذهبنا ، وكذا نظائره من قوله تعالى { إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن } إلى آخر الآية كلها مبينة للإجمال الواقع في الآية الأخرى كما لا يخفى على من دقق النظر وحقق .




الخدمات العلمية