الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

البحث الثالث في أحكام الإحياء

جزء التالي صفحة
السابق

البحث الثالث : في أحكام الإحياء ، في الكتاب في معنى قوله عليه السلام من أحيا أرضا ميتة فهي له إنما ذلك في الصحاري ، وأما ما قرب من المعمورة ويتشاح الناس فيه لا يحيا إلا بقطيعة من الإمام ، نفيا للتشاجر بتزاحم الدواخل عليه كما فعله عليه السلام في المعادن . قال ابن يونس : قيل : يحيا بغير إذن الإمام لعموم الحديث ، وقال عبد الملك : لا يحيي أحد إلا بإذن الإمام مطلقا ، غير أن من أحيا في البعيد عن العمارة الذي لا تعلق للعمارة به فهو له ، أو في القريب نظر فيه الإمام إما أبقاه أو أقطعه غيره أو يبقيه للمسلمين ويعطيه قيمة ما عمر منقوضا ، وقاله : ابن القاسم [ ص: 157 ] ومالك ، وقال أصبغ : لا يحيي القريب إلا بإذن الإمام ، فإن فعل أمضيته ، قال سحنون : وحد القريب ما تلحقه المواشي والاحتطاب ، بخلاف اليوم ونحوه فيصير فيها ثلاثة أقوال : القريب والبعيد بغير إذن الإمام لا يحييهما إلا بإذنه ، التفرقة ، وبالأول قال ( ش ) ، وبالثاني قال ( ح ) ، المسألة مبنية على قاعدة وهو أنه - عليه السلام - له أن يتصرف بطريق الإمامة ; لأنه الإمام الأعظم ، وبطريق القضاء ; لأنه القاضي الأحكم ، وبطريق الفتيا ; لأنه المفتي الأعلم ويتفق العلماء في بعض التصرفات وإضافته إلى أحد هذه العبارات ، ويختلفون في بعضها كقوله عليه السلام لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لما شكته له بالبخل : خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف . قال مالك و ( ش ) وجماعة : هذا تصرف بالفتيا ; لأنه الغالب على تصرفه التبليغ ، فمن ظفر بحقه من خصمه العاجز عنه أخذه من غير علمه ، ويؤكد أنه لم يلزمها بإثبات دعواها ولا بإحضار خصمها ، ولو كان تصرف بالإمامة ، أو بالقضاء لتعين ذلك ، وقال قوم : هذا تصرف بالقضاء فلا يأخذ أحد من مال خصمه شيئا إلا بإذن القاضي ; لأنه عليه السلام إنما تصرف في تلك الواقعة بالقضاء ، وكقوله عليه السلام من قتل قتيلا فله سلبه . قال ( ش ) هذا تصرف بالفتيا ; لأنه غالب تصرفه ، وقال مالك : هذا تصرف بالإمامة ، فلا يستحق أحد سلبا إلا بإذن الإمام ، وخالف أصله السابق لما تقدم تقريره في الجهاد ، وكذلك اختلف هاهنا هل هو تصرف بالفتيا ، فلا يحتاج الإحياء إلى إذن الإمام ، أو بالإمامة فيحتاج ، والقائلون بأنه بالفتيا منهم من راعى قواعد مصلحته يفرق بين ما فيه ضرر وما لا ضرر فيه ، ومنهم من لم يراع ذلك فهذا الباب فقه هذه المسألة ، ثم تأكد [ ص: 158 ] مذهب ( ش ) بالقياس على البيع ، وسائر أسباب الملك لا يفتقر إلى إذن الإمام . وتأكد مذهب الحنفي بالقياس على الأخذ من مال بيت المال ، وبالقياس على الغنائم ، ولأنه محمل اجتهاد فافتقر للإمام كاللعان وضرب الآجال ، ولظاهر قوله عليه السلام ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه . والجواب عن الأول أنه مملوك قبل الأخذ ، فافتقر إلى إذن ، وعن الثاني أنه يفتقر إلى إخراج الخمس وتقرير حقوق الغانمين من فارس وراجل ، بخلاف الإحياء ، وعن الثالث لا نسلم أنه محل اجتهاد بل محمول على العادة ، وعن الرابع أنه عليه السلام إمام الأمة وقد طابت نفسه بالملك لتصريحه بذلك .

فرع : قال اللخمي : إذا عمر بقرب العمارة أرى أن ينظر فيه هل يضر بالناس في ضيق المرعى والسكن ، أو هو شرير يخشى من شره هناك ، أو هو مستغن عنه وغيره محتاج إليه فيمنع ، أو هو بعيد لا يضيق ، والإحياء للزرع دون البناء ترك ، قال : ولو قيل : إذا أخرج أعطي قيمة بنائه قائما لكان وجها ; لأنه بنى بشبهة فقد أمضاه أشهب ، قال سحنون : سواء كانت أرض صلح أو عنوة أو أسلم أهلها عليها ينظر في القريب والبعيد ; لأن العفاء البعيد خارج عما ينعقد عليه الصلح والإسلام لعدم النفع به حينئذ .

فرع : قال : أجاز ابن القاسم إحياء الذمي وقاله ( ح ) ، لعموم الحديث إلا في جزيرة العرب ; لقوله عليه السلام : لا يبقين دينان في جزيرة العرب . قال [ ص: 159 ] مالك وجزيرة العرب : الحجاز ومكة والمدينة واليمن ، قال عبد الملك : فإن فعل أعطي قيمة عمارته وأخرج وما عمره في قرب العمارة أخرج وأعطي قيمته منقوضا ، إذ ليس للإمام أن يقطعه إياه . وقال ابن القصار : ولا يجوز للإمام أن يأذن له في الإحياء مطلقا - وقاله : ( ش ) ; لأن الموات من حقوق الدار وهي دار إسلام ، وقسنا على الصيد والبيع ونحوها ، ففرقوا بأن الصيد يخلف فلا يضر بالمسلمين ، والأرض لا تخلف ، والبيع يقع برضى البائع ، ولم يرض الناس هاهنا ، قال صاحب النكت : إذا عمر فيما قرب من العمارة قال عبد الملك : ينظر فيه الإمام : فإن أقره وإلا أعطاه قيمته - مقلوعا ، وقال أصبغ : لا يفعل فيما قرب إلا بإذن الإمام ، فإن فعل أمضيته ، وقال عبد الملك : المالك يمنع فيما قرب ، وإذا أذن له الإمام أعطي قيمته ونزع منه ; لأن ما قرب كالفيء ولا حق لذمي فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث