الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

359 - الحديث الثاني : عن أبي بردة هانئ بن نيار البلوي رضي الله عنه : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله . }

التالي السابق


فيه مسألتان إحداهما : إثبات التعزير في المعاصي التي لا حد فيها ، لما يقتضيه من جواز العشرة فما دونها .

المسألة الثانية : اختلفوا في مقدار التعزير . والمنقول عن مالك : أنه لا يتقدر بهذا القدر ، ويجيز في العقوبات فوق هذا . وفوق الحدود على قدر الجريمة وصاحبها ، وأن ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام . وظاهر مذهب الشافعي : أنه لا يبلغ بالتعزير إلى الحدود وعلى هذا : ففي المعتبر وجهان :

أحدهما : أدنى الحدود في حق المعزر فلا يزاد في تعزير الحر على تسع وثلاثين ضربة ليكون دون حد الشرب ولا في تعزير العبد على تسعة عشر سوطا .

والثاني : أنه يعتبر أدنى الحدود على الإطلاق فلا يزاد في تعزير الحر أيضا على تسعة عشر سوطا [ ص: 635 ] أيضا . وفي وجه ثالث : أن الاعتبار بحد الأحرار فيجوز أن يزاد تعزير العبد على عشرين ، وذهب غير واحد إلى ظاهر الحديث وهو أنه لا يزاد في التعزير على عشرة وإليه ذهب من الشافعية صاحب التقريب وذكر بعض المصنفين منهم : أن الأظهر أنه يجوز الزيادة على العشر واختلف المخالفون لظاهر هذا الحديث في العذر عنه فقال بعض مصنفي الشافعية : إنه منسوخ بعمل الصحابة بخلافه وهذا ضعيف جدا ; لأنه يتعذر عليه إثبات إجماع الصحابة على العمل بخلافه . وفعل بعضهم أو فتواه لا يدل على النسخ ، والمنقول في ذلك : فعل عمر رضي الله عنه " أنه ضرب صبيغا أكثر من الحد ، أو من مائة " وصبيغ هذا - بفتح الصاد المهملة وكسر ثاني الحروف وآخره غين معجمة . وقال بعض المالكية : وتأول أصحابنا الحديث على أنه مقصور على زمن النبي صلى الله عليه وسلم ; لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر . وهذا في غاية الضعف أيضا ; لأنه ترك للعموم بغير دليل شرعي على الخصوص . وما ذكره مناسبة ضعيفة لا تستقل بإثبات التخصيص .

قال هذا المالكي : وتأولوه أيضا على أن المراد بقوله " في حد من حدود الله " أي حق من حقوقه ، وإن لم يكن من المعاصي المقدرة حدودها ; لأن المحرمات كلها من حدود الله . وبلغني عن بعض أهل العصر : أنه قرر هذا المعنى بأن تخصيص الحد [ ص: 636 ] بهذه المقدرات أمر اصطلاحي فقهي ، وأن عرف الشرع في أول الإسلام : لم يكن كذلك ، أو يحتمل أن لا يكون كذلك - هذا أو كما قال - فلا يخرج عنه إلا التأديبات التي ليست عن محرم شرعي وهذا - أولا - خروج في لفظة " الحد " عن العرف فيها . وما ذكره هذا العصري : يوجب النقل ، والأصل عدمه . وثانيا : أنا إذا حملناه على ذلك ، وأجزنا في كل حق من حقوق الله : أن يزاد لم يبق لنا شيء يختص المنع فيه بالزيادة على عشرة أسواط إذ ما عدا المحرمات كلها التي لا تجوز فيها الزيادة ليس إلا ما ليس بمحرم ، وأصل التعزير فيه ممنوع . فلا يبقى لخصوص منع الزيادة معنى وهذا أوردناه على ما قاله المالكي في إطلاقه لحقوق الله وقد يتعذر عنه بما أشرنا إليه ، من أنه لا يخرج عنه إلا التأديبات على ما ليس بمحرم ومع هذا فيحتاج إلى إخراجها عن كونها من حقوق الله .

وثالثا - على أصل الكلام وما قاله العصري ، فيما نقل عنه - ما تقدم في الحديث قبله من حديث عبد الرحمن " أخف الحدود ثمانون " فإنه يقطع دابر هذا الوهم ويدل على أن مصطلحهم في الحدود : إطلاقها على المقدرات التي يطلق عليها الفقهاء اسم " الحد " فإن ما عدا ذلك لا ينتهي إلى مقدار أربعين ، فهو ثمانون وإنما المنتهى إليه : هي الحدود المقدرات ، وقد ذهب أشهب من المالكية إلى ظاهر هذا الحديث كما ذهب إليه صاحب التقريب من الشافعية . والحديث متعرض للمنع من الزيادة على العشرة ، ويبقى ما دونها لا تعرض للمنع فيه وليس التخيير فيه ، ولا في شيء مما يفوض إلى الولاة : تخيير تشه ، بل لا بد عليهم من الاجتهاد .

وعن بعض المالكية : أن مؤدب الصبيان لا يزيد على ثلاثة . فإن زاد اقتص منه ، وهذا تحديد يبعد إقامة الدليل المتين عليه . ولعله يأخذه من أن الثلاث : اعتبرت في مواضع

وهو أول حد الكثرة ، وفي ذلك ضعف .

والذي ذكره المصنف - من أن أبا بردة هو هانئ بن نيار - مختلف فيه ، فقد قيل : إنه رجل من الأنصار .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث