الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 62 ] ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ) .

                                                                                                                                                                                                                                            قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ) .

                                                                                                                                                                                                                                            فيه مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما أمر بالإيمان ، ورغب فيه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان ، فذكر هذه الآية .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن فيها أقوالا كثيرة :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن المراد منه الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإيمان مرات وكرات ، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإيمان في قلوبهم ، إذ لو كان للإيمان وقع ورتبة في قلوبهم لما تركوه بأدنى سبب ، ومن لا يكون للإيمان في قلبه وقع فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا ؛ فهذا هو المراد بقوله : ( لم يكن الله ليغفر لهم ) ، وليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبرا ، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذي ذكرناه ، وكذلك نرى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ، ثم يتوب ثم يرجع فإنه لا يكاد يرجى منه الثبات ، والغالب أنه يموت على الفسق ، فكذا ههنا .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : قال بعضهم : اليهود آمنوا بالتوراة وبموسى ، ثم كفروا بعزير ، ثم آمنوا بداود ، ثم كفروا بعيسى ، ثم ازدادوا كفرا عند مقدم محمد عليه الصلاة والسلام .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : قال آخرون : المراد المنافقون ، فالإيمان الأول إظهارهم الإسلام ، وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم ، وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم ، والإيمان الثاني : هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسلمين قالوا : إنا مؤمنون ، والكفر الثاني : هو أنهم إذا دخلوا على شياطينهم قالوا : إنا معكم إنما نحن مستهزءون ، وازديادهم في الكفر هو جدهم واجتهادهم في استخراج أنواع المكر والكيد في حق المسلمين ، وإظهار الإيمان قد يسمى إيمانا قال تعالى : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) [البقرة : 221] . قال القفال -رحمة الله عليه- : وليس المراد بيان هذا العدد ، بل المراد ترددهم كما قال : ( مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ) [النساء : 143] . قال : والذي يدل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : ( بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ) .

                                                                                                                                                                                                                                            الرابع : قال قوم : المراد طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين ، فكانوا يظهرون الإيمان تارة ، والكفر أخرى على ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا : ( آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ) [آل عمران : 72] ، وقوله : ( ثم ازدادوا كفرا ) معناه : أنهم بلغوا في ذلك إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : دلت الآية على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وهذا يبطل مذهب القائلين بالموافاة ، وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت على الإسلام ، وهم يجيبون عن ذلك : بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان ، فوجب أن يكون الإيمان أيضا كذلك ؛ لأنهما ضدان متنافيان ، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذلك الآخر ، وذكروا في تفسير هذه الزيادة وجوها :

                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 63 ] الأول : أنهم ماتوا على كفرهم .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أنهم ازدادوا كفرا بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم ، وعلى هذا التقدير لما كانت إصابة الذنوب وقت الكفر زيادة في الكفر ، فكذلك إصابة الطاعات وقت الإيمان يجب أن تكون زيادة في الإيمان .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : أن الزيادة في الكفر إنما حصلت بقولهم : ( إنما نحن مستهزئون ) [البقرة : 14] ؛ وذلك يدل على أن الاستهزاء بالدين أعظم درجات الكفر وأقوى مراتبه .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية