الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      ( فرع ) ليس للمفتي ولا للعامل المنتسب إلى مذهب الشافعي - رحمه الله - في مسألة القولين ، أو الوجهين ، أن يعمل بما شاء منهما بغير نظر ، بل عليه في القولين العمل بآخرهما إن علمه ، وإلا فبالذي رجحه الشافعي ، فإن قالهما في حالة ولم يرجح واحدا منهما - وسنذكر إن شاء الله تعالى [ ص: 111 ] أنه لم يوجد هذا إلا في ست عشرة أو سبع عشرة مسألة ، أو نقل عنه قولان ، ولم يعلم أقالهما في وقت أم في وقتين ؟ وجهلنا السابق وجب البحث عن أرجحهما ، فيعمل به ، فإن كان أهلا للتخريج والترجيح استقل به متعرفا ذلك من نصوص الشافعي ومأخذه وقواعده ، فإن لم يكن أهلا فلينقله عن أصحابنا الموصوفين بهذه الصفة ، فإن كتبهم موضحة لذلك ، فإن لم يحصل له ترجيح بطريق ، توقف حتى يحصل . وأما الوجهان فيعرف الراجح منهما بما سبق ، إلا أنه لا اعتبار فيهما بالتقدم والتأخر إلا إذا وقعا من شخص واحد ، وإذا كان أحدهما منصوصا والآخر مخرجا ، فالمنصوص هو الصحيح الذي عليه العمل غالبا ، كما إذا رجح الشافعي أحدهما ، بل هذا أولى إلا إذا كان المخرج من مسألة يتعذر فيها الفرق ، فقيل : لا يترجح عليه المنصوص ، وفيه احتمال ، وقل أن يتعذر الفرق ، أما إذا وجد من ليس أهلا للترجيح خلافا بين الأصحاب في الراجح من قولين أو وجهين فليعتمد ما صححه الأكثر والأعلم والأورع ، فإن تعارض الأعلم والأورع قدم الأعلم ، فإن لم يجد ترجيحا عن أحد اعتبر صفات الناقلين للقولين والقائلين للوجهين ، فما رواه البويطي والربيع المرادي ( 1 ) والمزني ( 2 ) عن الشافعي مقدم عند أصحابنا ، على ما رواه الربيع الجيزي وحرملة .

                                      وكذا نقله أبو سليمان الخطابي عن أصحابنا في أول معالم السنن ، إلا أنه لم يذكر البويطي فألحقته أنا لكونه أجل من الربيع المرادي والمزني ، وكتابه مشهور فيحتاج إلى ذكره . قال الشيخ أبو عمرو : ويترجح أيضا ما وافق أكثر أئمة المذاهب ، وهذا الذي قاله فيه ظهور واحتمال ، وحكى القاضي حسين فيما إذا كان للشافعي [ ص: 112 ] قولان ، أحدهما يوافق أبا حنيفة ، وجهين لأصحابنا أحدهما : أن القول المخالف أولى ، وهذا قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني ، فإن الشافعي إنما خالفه لاطلاعه على موجب المخالفة . والثاني : القول الموافق أولى وهو قول القفال ، وهو الأصح ، والمسألة المفروضة فيما إذا لم يجد مرجحا مما سبق ، وأما إذا رأينا المصنفين المتأخرين مختلفين ، فجزم أحدهما بخلاف ما جزم به الآخر ، فهما كالوجهين المتقدمين على ما ذكرناه من الرجوع إلى البحث على ما سبق ، ويرجح أيضا بالكثرة كما في الوجهين ، ويحتاج حينئذ إلى بيان مراتب الأصحاب ، ومعرفة طبقاتهم وأحوالهم وجلالتهم ، وقد بينت ذلك في ( تهذيب الأسماء واللغات ) بيانا حسنا ، وهو كتاب جليل لا يستغني طالب علم من العلوم كلها عن مثله .

                                      . وذكرت في كتاب ( طبقات الفقهاء ) من ذكرته منهم أكمل من ذلك وأوضح ، وأشبعت القول فيهم وأنا ساع في إتمامه ، أسأل الله الكريم توفيقي له ولسائر وجوه الخير . واعلم : أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه ووجوه متقدمي أصحابنا أتقن ، وأثبت من نقل الخراسانيين غالبا ، والخراسانيون أحسن تصرفا وبحثا وتفريعا وترتيبا غالبا ، ومما ينبغي أن يرجح به أحد القولين ، وقد أشار الأصحاب إلى الترجيح به أن يكون الشافعي ذكره في بابه ومظنته ، وذكر الآخر في غير بابه ، بأن جرى بحث وكلام جر إلى ذكره ، فالذي ذكره في بابه أقوى ; لأنه أتى به مقصودا وقرره في موضعه بعد فكر طويل بخلاف ما ذكره في غير بابه استطرادا ، فلا يعتني به اعتناءه بالأول .

                                      وقد صرح أصحابنا بمثل هذا الترجيح في مواضع لا تنحصر ، ستراها في هذا الكتاب في مواطنها إن شاء الله تعالى ، وبالله التوفيق .

                                      التالي السابق


                                      الخدمات العلمية