الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

6614 [ ص: 200 ] 26 - باب: القيد في المنام

7017 - حدثنا عبد الله بن صباح ، حدثنا معتمر ، سمعت عوفا ، حدثنا محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن ، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة . " قال محمد : وأنا أقول هذه قال : وكان يقال : الرؤيا ثلاث : حديث النفس ، وتخويف الشيطان ، وبشرى من الله ، فمن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد ، وليقم فليصل . قال : وكان يكره الغل في النوم ، وكان يعجبهم القيد ، ويقال : القيد ثبات في الدين . وروى قتادة ويونس وهشام وأبو هلال ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وأدرجه بعضهم كله في الحديث ، وحديث عوف أبين . وقال يونس : لا أحسبه إلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في القيد . قال أبو عبد الله : لا تكون الأغلال إلا في الأعناق . [انظر : 6988 - مسلم : 2263 - فتح: 12 \ 404 ]

التالي السابق


ذكر فيه حديث عوف ، عن محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن ، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب " قال محمد : وأنا أقول : هذه (الأمة ) . قال : وكان يقال : الرؤيا ثلاث : حديث النفس ، وتخويف الشيطان ، وبشرى من الله ، فمن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد ، وليقم فليصل . قال : وكان يكره الغل في النوم ، وكان يعجبهم القيد ، ويقال : القيد ثبات في الدين . رواه قتادة ويونس وهشام وأبو هلال -وهو محمد بن سليم الراسبي - ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأدرجه بعضهم كله في الحديث ، وحديث عوف أبين .

[ ص: 201 ] وقال يونس : لا أحسبه إلا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القيد . قال أبو عبد الله : لا تكون الأغلال إلا في الأعناق .

الشرح :

كأن المراد بقوله : ( وأدرجه بعضهم كله في الحديث ) أي : نسبه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيوب بن أبي تميمة ، فإن مسلما أخرجه عن محمد بن أبي عمر : ثنا عبد الوهاب الثقفي ، عنه ، عن ابن سيرين كله . قال : ولا تحدث بها الناس . قال : وأحب القيد وأكره الغل ، والقيد ثبات في الدين ، فلا أدري أهو في الحديث أم قاله محمد بن سيرين ؟ ثم قال : وحدثنا محمد بن رافع : ثنا عبد الرزاق : أنا معمر ، عن أيوب بهذا الإسناد . وقال في الحديث : قال أبو هريرة : فيعجبني القيد وأكره الغل ، والقيد ثبات في الدين . وحدثني أبو الربيع ، ثنا حماد ، عن أيوب وهشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : إذا اقترب الزمان . . وساق الحديث ، ولم يذكر فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ، ثنا معاذ بن هشام ، حدثني أبي ، عن قتادة ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأدرج في الحديث قوله : وأكره الغل . . إلى آخره ، ولم يذكر : " الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا " .

وأخرج الترمذي -وقال : حديث صحيح - من حديث سعيد ، عن قتادة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - رفعه : " الرؤيا ثلاث : رؤيا حق ، ورؤيا يحدث الرجل بها نفسه ، ورؤيا تحزين من الشيطان ، فمن رأى ما يكره فليقم فليصل " . وكان أبو هريرة يقول : يعجبني القيد وأكره الغل ، القيد [ ص: 202 ] ثبات في الدين ، وكان يقول : لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح .

وقال المهلب : وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " القيد ثبات في الدين " من رواية قتادة ويونس وغيرهم . وتفسير ذلك أنه يمنع الخطايا ويصد عنها . وروى ابن ماجه من حديث وكيع ، عن أبي بكر الهذلي ، عن ابن سيرين فذكر قصة القيد (مرفوعة ) . وروى الخطيب في كتابه "الفصل والوصل " من حديث علي بن عاصم ، عن خالد وهشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا : إذا اقترب الزمان . الحديث كله مرفوعا ، ومن حديث يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن محمد . وفيه : وكان يقول : " أكره الغل ، ويعجبني القيد ، القيد ثبات في الدين " . وكان يقول : "إذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فليقم فليصل " .

قال الخطيب : كذا روى يزيد ، قصر عن سياقة خالد وهشام عن محمد التي (بدأ بها ) . وروى عبد الوهاب عن أيوب ، عن محمد مثل رواية خالد وهشام ، وقال الخطيب : جاء في هذه الأحاديث التي ذكرناها جميع هذا المتن من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس هو كذلك ؛ لأن ذكر القيد والغل قول أبي هريرة أدرج في الحديث ، وبينه معمر في روايته عن أيوب عن محمد ، ورواه عوف بن أبي جميلة ، عن محمد فذكر أن أول المتن إلى قوله : "جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " مرفوعا ، وأما ما بعده فمن كلام ابن سيرين .

[ ص: 203 ] قلت : فهذا يري مخالفة مسلم ، وغيره البخاري في الذي ذكره . وكذا مخالفة الترمذي لما ذكره في القيد .

فصل :

قد ينصرف القيد على وجوه ؛ فمن رآه في رجله وهو مسافر أقام بذلك الموضع إلا أن يرى ذلك قد حل عنه ، وكذلك من رأى قيدا في رجله في مسجد أو في موضع ينسب إلى الخير فإنه دين ولزوم لطاعة ربه وعبادة له ، فإن رآه مريض أو مسجون أو (مكروه ) فهو طول بقائه فيه ، وكذلك إن رآه صاحب دنيا فهو طول بقائه فيها .

فصل :

وكره الغل ؛ لأن الله تعالى أخبر أنه من صفات أهل النار ، فقال : إذ الأغلال في أعناقهم الآية [غافر : 71 ] ، فقد يدل على الكفر وقد يكون الغل امرأة سوء ، تشين حليلها ، وأما غل اليدين (دون ) العنق فهو كفها عن الشر ، فإن كان مع القيد غل غلب المكروه ؛ لأنها صفة المدينين ، ويدل الغل على (الوالايات ) إذ كانت معه قرائن ، كما روي أن كل وال يحشر مغلولا حتى يطلقه عدله .

فصل :

معنى : (" اقترب الزمان " ) فيه أقوال : إذا دنا قيام الساعة ، قال ابن بطال : معناه -والله أعلم - : إذا اقتربت الساعة ، وقبض أكثر العلم ، ودرست معالم الديانة بالهرج والفتنة ، فكان الناس على فترة من [ ص: 204 ] الرسل يحتاجون إلى مذكر ومجدد لما درس من الدين ، كما كانت الأمم قبلنا تذكر بالنبوة ، فلما كان نبينا - عليه أفضل الصلاة والسلام - خاتم الرسل وما بعده من الزمان ما يشبه الفترة عوضوا بما منع من النبوة بعده بالرؤيا الصادقة التي هي جزء من كذا الآتية بالتبشير والإنذار .

ثانيها : قاله أبو داود ، ومعناه تقارب (الزمان ) زمان الليل والنهار وقت استوائهما أيام الربيع ، وذلك عند اعتدال الليل وإدراك الثمار وبيعها ، والمعبرون يزعمون أن أصدق الأزمان لوقوع التعبير انفتاق الأنوار ، ووقت بيع الثمار وإدراكها ، وهما الوقتان اللذان يتقارب الزمان فيهما ، ويعتدل الليل والنهار .

قال ابن بطال : والأول هو الصواب الذي أراده الشارع ؛ لأنه قد روي مرفوعا عنه من طريق معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - رفعه : "في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن ، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا " .

ثالثها : تقصر الساعات والأيام والليالي ، ذكره الداودي في تفسير قوله - عليه السلام - : " يتقارب الزمان وينقص (العلم ) " .

[ ص: 205 ] فصل :

وأما قول ابن سيرين : ( أنا أقول : هذه الأمة ) فتأويله -والله أعلم - أنه لما كان عنده معنى قوله : "رؤيا المؤمن . . " إلى آخره ، ويراد به رؤيا الرجل الصالح ؛ (لقوله - عليه السلام - : " الرؤيا الحسنة يراها الرجل الصالح " ) . . الحديث ، وقال : " إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن " .

خشي ابن سيرين أن يتأول معناه أن عند تقارب الزمان لا تصدق إلا رؤيا الصالح المستكمل الإيمان خاصة ، فقال : (وأنا أقول : هذه الأمة ) ، أنه تصدق رؤيا هذه الأمة كلها ؛ صالحها وفاجرها ، فيكون صدق رؤياهم زاجرا لهم وحجة عليهم لدروس أعلام الدين ، وطمس آثاره بموت العلماء وظهور المنكر .

وما ذكرته من قولهم : (الأمة ) بعد (هذا ) كذا في كتاب ابن بطال أصلا وشرحا ، والذي في الأصول حذف لفظ (الأمة ) كما سقته . وقد قال الخطيب : إن الإدراج إنما هو من قول محمد لا من قول غيره خلاف ما سلف عن الترمذي ، فكأن محمدا (قال ) لما انتهى الحديث المرفوع : وأنا أقول هذه المقالة . وهو أوضح مما ذكره ابن بطال .

فصل :

وقول البخاري : لا تكون الأغلال إلا في الأعناق ) كأنه أراد أصله ، فقد قال ابن سيده في "مجمله " وغيره : الغل جامعة توضع في العنق [ ص: 206 ] أو اليد ، والجمع : أغلال لا يكسر على غير ذلك . وفي "الجامع " : واليد مغلولة أي : مجعولة في الغل ، قال تعالى : غلت أيديهم [المائدة : 64 ] .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث