الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب لا يخطب على خطبة أخيه ، حتى ينكح أو يدع

4848 5144 - " ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه ، حتى ينكح ، أو يترك " . [انظر : 2140 - مسلم: 1520 ،1515 ، 1413 - فتح: 9 \ 199 ] .

التالي السابق


ذكر فيه حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع بعضكم على بيع بعض ، ولا يخطب على خطبة أخيه ، حتى يترك الخاطب قبله ، أو يأذن له الخاطب .

وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - يأثره على النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تجسسوا ، ولا تحسسوا ، ولا تباغضوا ، وكونوا عبادا إخوانا ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه ، حتى ينكح أو يترك " .

الشرح :

قد أسلف البخاري في البيوع مثله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضا في الخطبة .

[ ص: 438 ] وقد أخرجه مسلم والأربعة .

وسلف حديث ابن عمر في البيع على بيع أخيه ، وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه .

وفسر ابن التين البيع على بيع أخيه بالسوم على سومه ، وقال يزيد : لأنه لو وقع البيع لما سئل عن بيعه بعد ذلك ، وهو عجيب فإنه قد يكون زمن خيار المجلس أو شرط ثم قال هذا بعد التراكن ، وأما في أوله فلو ترك ذلك لأخذه المشتري بما يريد وبياعات المسلمين في أسواقهن يتزايدون فيها ، وكرهه بعض السلف .

فصل :

الخطبة -بكسر الخاء - مصدر خطب المرأة خطبة ، والضم في الوعظ وغيره .

فصل :

أغرب بعضهم فادعى أن هذا النهي منسوخ بخطبة الشارع لأسامة فاطمة بنت قيس على خطبة معاوية وأبي جهم . روي عن الحسن بن علي أنه لا يكاد يبلغه أن رجلا خطب امرأة إلا خطبها . وفقهاء الأمصار على عدم ذلك وأنه باق ، وخطبة الشارع والحسن إنما كان في حالة لم يتناولها النهي ، وذلك قبل الركون دون ما بعده .

[ ص: 439 ] قال ابن المرابط : لا أعلم أحدا ادعى نسخه . واستثنى ابن القاسم من النهي ما إذا كان الخاطب فاسقا ، وهو مذهب الأوزاعي وابن المنذر فيما إذا كان الأول كافرا ، وهو خلاف قول الجمهور .

والحديث خرج على الغالب فلا مفهوم .

وقال ابن نافع : يخطب وإن رضيت بالأول حتى يتفقا على صداق .

وخطأه ابن حبيب يريد لأن نكاح التفويض صحيح وإن لم يسميا فيه مهرا . وعندنا أنه إنما يحرم إذا صرح بالإجابة فإن لم يجب ولم يرد فلا تحريم ، وكذا إذا أذن ، وعند المالكية ثلاثة أقوال بعد الركون .

ثالثها : يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ويؤدب ويحلل ، وعند أبي حنيفة والشافعي : لا فسخ مطلقا مع التحريم .

فصل :

أغرب أبو سليمان فقال : إن هذا النهي للتأديب لا للتحريم .

ونقل عن أكثر العلماء أنه لا يبطل ، وعند داود بطلان نكاح الثاني ، ونحى ابن حزم إليه حيث قال : لا يحل لأحد أن يخطب على خطبة مسلم ، سواء ركنا وتعارفا أو لم يكن شيء من ذلك ، إلا أن يكون أفضل لها في دينه وحسن صحبته ، فله حينئذ أن يخطب على خطبة غيره .

قلت : يرده حديث قدامة بن مظعون أنه زوج ابن عمر ابنة أخيه

[ ص: 440 ] عثمان ، فخطبها المغيرة بن شعبة ، فركنت هي وأمها في المغيرة ، ففرق - عليه السلام - بينها وبين ابن عمر وزوجها المغيرة .

والأحاديث دالة على إطلاق التحريم ، وقد أخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر أنه - عليه السلام - قال : "لا يحل لمؤمن أن يخطب على خطبة أخيه حتى يذر ، ولا يحل له أن يبتاع على بيع أخيه حتى يذر " .

وهو قول ابن عمر وعقبة بن عامر وابن هرمز .

وعبارة ابن العربي : اختلف علماؤنا هل الحق فيه لله أو للخاطب ، فقيل بالأول فيتحلل ، فإن لم يفعل فارقها ، قاله ابن وهب .

وقيل : إن النهي في حال رضي المرأة وركونها إليها ، وقد فسره في "الموطأ " دون ما إذا لم تركن ولم يتفقا على صداق . قال أبو عبيد : وهو وجه الحديث ، وبه يقول أهل المدينة وأهل العراق أو أكثرهم .

حجة الشافعي (وغيره ) خطبته - عليه السلام - لأسامة كما سلف ، وكنا بينا أن تلك الحالة غير النهي كما سلف .

فصل :

من قال بالفسخ تعلق بالنهي وأنه يقتضي بالفساد ، فلا تحصل به الاستباحة ، وأجاب من لم يره بأن النهي لأمر خارج عنه فصار كالبيع على بيع أخيه .

[ ص: 441 ] فصل :

قوله : ("إياكم والظن" ) يريد أن تحقيق الظن قد يوقع في الإثم ، وقد قال تعالى : إن بعض الظن إثم [الحجرات : 12 ] .

وقوله : ("أكذب الحديث" ) يريد : بعضه .

فصل :

والتجسس بالجيم والحاء معناهما واحد عند جماعة وهو : التطلب لمعرفة الأخبار ، قاله الحربي ، وقال ابن الأنباري : إنما نسق أحدهما على الآخر ; كقولهم : بعدا وسحقا . وقيل : بالجيم : البحث عن عورات الناس ، وبالحاء : الاستماع للحديث ، وقيل : الأول في الخير والثاني في الشر ، قال تعالى : اذهبوا فتحسسوا [يوسف : 87 ] وقيل : أكثر التجسس في الشر ، بالجيم . وقال ابن حبيب بالحاء : أن تسمع ما يقول أخوك فيك ، وبالجيم : أن ترسل من (قيل لك ) عما يقال لك في أخيك من السوء .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث