الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب البكاء على الميت

جزء التالي صفحة
السابق

7178 ص: وخالفهم في ذلك آخرون ، فلم يروا بها بأسا ، واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا أبو داود ، قال : ثنا أبو الأحوص ، عن مغيرة ، وإبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، عن النبي -عليه السلام - : " أنه رخص في رقية الحية والعقرب " .

ففي هذا الحديث الرخصة في رقية الحية والعقرب ، والرخصة لا تكون إلا بعد النهي ، فدل ذلك أن ما أبيح من ذلك نسخ ما كان في حديث عمران بن الحصين .

التالي السابق


ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون ، وأراد بهم : الحسن البصري وإبراهيم النخعي والزهري والثوري والأئمة الأربعة وآخرين كثيرين ; فإنهم قالوا : لا بأس بالرقى .

قال أبو عمر : ذهب جماعة من العلماء إلى إباحة الاسترقاء والمعالجة والتداوي ، وقالوا : إن من سنة المسلمين التي يجب عليهم لزومها لروايتهم لها عن نبيهم -عليه السلام -

[ ص: 188 ] الفزع إلى الله عند الأمر يعرض لهم وعند نزول البلاء بهم في التعوذ بالله من كل شر وإلى الاسترقاء وقراءة القرآن والذكر والدعاء .

قوله : "احتجوا في ذلك " أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عائشة - رضي الله عنها - .

أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق ، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي الحافظ ، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي ، عن المغيرة بن مقسم الضبي ، عن إبراهيم النخعي ، عن الأسود بن يزيد النخعي ، عن عائشة .

وأخرجه ابن ماجه : عن عثمان بن أبي شيبة ، وهناد بن السري ، عن أبي الأحوص . . . . إلى آخره نحوه .

قوله : "في رقية الحية " الرقية -بضم الراء : العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات ، وقد جاء في بعض الأحاديث جوازها وفي بعضها النهي عنها ، فمن الجواز قوله : "استرقوا لها فإن بها النظرة " أي اطلبوا لها من يرقيها . ومن النهي قوله : "لا يسترقون ولا يكتوون " . والأحاديث في القسمين كثيرة ، ووجه الجمع بينهما أن الرقى يكره منها ما كان بغير اللسان العربي وبغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة ، وأن يعتقد أن الرقيا نافعة لا محالة فيتكل عليها ، وإياها أراد بقوله : "ما توكل من استرقى " ولا يكره منها ما كان في خلاف ذلك كالتعوذ بالقرآن وأسماء الله تعالى والرقى المروية ; ولذلك قال للذي رقى بالقرآن وأخذ عليه أجرا : "من أخذ برقية باطل فقد أخذت برقية حق " ، وكقوله في حديث جابر أنه -عليه السلام - قال : "اعرضوها علي ، فعرضناها فقال : لا بأس بها ، إنما هي مواثيق " ، كأنه خاف أن يقع فيها شيء مما كانوا يتلفظون به ويعتقدونه من الشرك في الجاهلية ، وما كان بغير اللسان العربي مما لا يعرف له ترجمة ولا يمكن الوقوف عليه ولا يجوز استعماله .

[ ص: 189 ] وأما قوله -عليه السلام - : "لا رقية إلا من عين أو حمة " فمعناه لا رقية أولى وأنفع ، وهذا كما قيل : لا فتى إلا علي - رضي الله عنه - وقد أمر -عليه السلام - غير واحد من أصحابه بالرقية ، وسمع جماعة يرقون فلم ينكر عليهم .

وأما الحديث الآخر في صفة أهل الجنة الذين يدخلون بغير حساب ، وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون ، فهذا من صفات الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا ، الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها ، وتلك درجة الخواص لا يبلغها غيرهم ، فأما العوام فمرخص لهم في التداوي والمعالجات ، ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من الله بالدعاء كان من جملة الخواص والأولياء ، ومن لم يصبر رخص له في الرقية والعلاج والدواء ; ألا ترى أن الصديق - رضي الله عنه - لما تصدق بجميع ماله لم ينكر عليه ; علما منه بيقينه وصبره ، ولما أتاه الرجل بمثل بيضة الحمام من الذهب وقال : لا أملك غيره صرفه به ، بحيث لو أجابه عقره ، وقال فيه ما قال .

قوله : "ففي هذا الحديث " أي حديث عائشة : الرخصة من النبي -عليه السلام - في الرقية للحية والعقرب ، والرخصة لا تكون إلا بعد النهي عن شيء ، فدل ذلك أن ما كان في حديث عمران بن حصين من قوله : "ولا يسترقون " ليس على حاله ، والذي حققناه آنفا هو الفيصل بين هذه الأحاديث ; فافهم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث