الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) ، الخمر : هي المعتصر من العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد ، سمي بذلك من خمر إذا ستر ، ومنه خمار المرأة ، وتخمرت واختمرت ، وهي حسنة الخمرة ، والخمر ما واراك من الشجر وغيره ، ودخل في خمار الناس وغمارهم أي : في مكان خاف ، وخمر فتاتكم ، وخامري أم عامر ، مثل الأحمق ، وخامري حضاجر أتاك ما تحاذر ، وحضاجر : اسم للذكر والأنثى من السباع ، ومعناه : ادخلي الخمر واستتري . فلما كانت تستر العقل سميت بذلك ، وقيل : لأنها تخمر أي تغطي حتى تدرك وتشتد . وقال ابن الأنباري : سميت بذلك لأنها تخامر العقل ، أي : تخالطه ، يقال : خامر الداء : خالط ، وقيل : سميت بذلك لأنها تترك حين تدرك ، يقال : اختمر العجين بلغ إدراكه ، وخمر الرأي تركه حتى يبين فيه الوجه ، فعلى هذه الاشتقاقات تكون مصدرا في الأصل وأريد بها اسم الفاعل أو اسم المفعول .

الميسر : القمار ، وهو مفعل من يسر ، كالموعد من وعد ، يقال : يسرت الميسر ، أي : قامرته ، قال الشاعر :


لو تيسرون بخيل قد يسرت بها وكل ما يسر الأقوام مغروم

واشتقاقه من اليسر وهو السهولة ، أو من اليسار لأنه يسلب يساره ، أو من يسر الشيء إذا وجب ، أو من يسر إذا جزر ، والياسر الجازر ، وهو الذي يجزئ الجزور أجزاء ، قال الشاعر :


أقول لهم بالشعب إذ تيسرونني :     ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم ؟



وسميت الجزور التي يسهم عليها ميسرا لأنها موضع اليسر ، ثم قيل للسهام ميسر للمجاورة ، واليسر : الذي يدخل في الضرب بالقداح ، وجمعه أيسار ، وقيل : يسر جمع ياسر ، كحارس وحرس وأحراس . وصفة الميسر أنه عشرة أقداح ، وقيل : أحد عشر على ما ذكر فيه ، وهي : الأزلام ، والأقلام ، والسهام ، لسبعة منها حظوظ ، وفيها فروض على عدة الحظوظ : القد ، وله سهم واحد ؛ والتوأم ، وله سهمان ؛ والرقيب ، وله ثلاثة ؛ والحلس ، وله أربعة ؛ والنافس ، وله خمسة ؛ والمسبل وله ستة ؛ والمعلى وله سبعة ؛ وثلاثة أغفال لا حظوظ لها ، وهي : المنيح ، والسفيح ، والوغد ، وقيل : أربعة وهي : المصدر ، والمضعف ، والمنيح ، والسفيح . تزاد هذه الثلاثة أو الأربعة على الخلاف لتكثر السهام وتختلط على الحرضة وهو الضارب بالقداح ، فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلا ، ويسمى أيضا : المجيل ، والمغيض ، والضارب ، والضريب ، ويجمع ضرباء ، وهو رجل عدل عندهم . وقيل يجعل رقيب لئلا يحابي أحدا ، ثم يجثو الضارب على ركبتيه ، ويلتحف بثوب ، ويخرج رأسه ، يجعل تلك القداح في الربابة ، وهي خريطة يوضع فيها ، ثم يجلجلها ، ويدخل يده ويخرج باسم رجل رجل قدحا منها ، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح ، ومن خرج له قدح من تلك الثلاثة لم يأخذ شيئا ، وغرم الجزور كله . وكانت عادة العرب أن تضرب بهذه القداح [ ص: 155 ] في الشتوة وضيق العيش وكلب البرد على الفقراء ، فيشترون الجزور وتضمن الأيسار ثمنها ، ثم تنحر ويقسم على عشرة أقسام في قول أبي عمرو ، وثمانية وعشرين على قدر حظوظ السهام في قول الأصمعي . قال ابن عطية : وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور على ثمانية وعشرين ، وأيهم خرج له نصيب واسى به الفقراء ، ولا يأكل منه شيئا ، ويفتخرون بذلك ، ويسمون من لم يدخل فيه " البرم " ويذمونه بذلك ، ومن الافتخار بذلك قول الأعشى :


المطعمو الضيف إذا ما شتا     والجاعلو القوت على الياسر



وقال زهير في البرم :


حتى تآوى إلى لا فاحش برم     ولا شحيح إذا أصحابه غنموا

وربما قاموا لأنفسهم . التفكر في الشيء : إجالة الفكر فيه وتردده ، والفكر هو الذهن . الخلط : مزج الشيء بالشيء ، وخالط فاعل منه ، والخلط : الشيء المخلوط كالرغي . الإخوان : جمع أخ ، والأخ معروف ، وهو من ولده أبوك وأمك ، أو أحدهما ، وجمع فعل على فعلان لا ينقاس . العنت : المشقة ، ومنه عنت الغربة ، وعقبة عنوت : شاقة المصعد ، وعنت البعير : انكسر بعد جبر . النكاح : الوطء ، وهو المجامعة ، قال التبريزي : وأصله عند العرب لزوم الشيء الشيء وإكبابه عليه ، ومنه قولهم : نكح المطر الأرض ، حكاه ثعلب في ( الأمالي ) عن أبي زيد وابن الأعرابي ، وحكى الفراء عن العرب : نكح المرأة ، بضم النون : بضعة هي بين القبل والدبر ، فإذا قالوا نكحها فمعناه : أصاب نكحها ، أي ذلك الموضع منها ، وقلما يقال ناكحها كما يقال باضعها ، قيل : وقد جاء النكاح في أشعار العرب يراد به العقد خاصة ، ومن ذلك قول الشاعر :


فلا تقربن جارة إن سرها     عليك حرام فانكحن أو تأبدا

أي فاعقد وتزوج ، وإلا فاجتنب النساء وتوحش ؛ لأنه قال : لا تقربن جارة على الوجه الذي يحرم . وجاء بمعنى المجامعة ، كما قال :


الباركين على ظهور نسوتهم     والناكحين بشاطي دجلة البقرا

وقال أبو علي : فرقت العرب بين العقد والوطء بفرق لطيف ، فإذا قالوا : نكح فلان فلانة ؛ أرادوا به العقد لا غير ، وإذا قالوا : نكح امرأته أو زوجته ؛ فلا يريدون غير المجامعة . الأمة : المملوكة من النساء ، وهي ما حذف لامه وهو واو ؛ يدل على ذلك ظهورها في الجمع ، قال الكلابي :


أما الإماء فلا يدعونني ولدا     إذا تداعى بنو الأموات بالعار

وفي المصدر : يقال أمة بينة الأموة ، وأقرت بالأموة ، أي : بالعبودية ، وجمعت أيضا على : إماء ، وأآم ، نحو أكمة وآكام وأكم ، وأصله أأمو ، وجرى فيه ما يقتضيه التصريف ، وفي الحديث : ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ) ، وقال الشاعر :


يمشي بها ريد النعا     م تماشي الآم الدوافر

ووزنها أموة ، فحذفت لامها على غير قياس ؛ إذ كان قياسها أن تنقلب ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها كقناة ، وزعم أبو الهيثم أن جمع الأمة أمو ، وأن وزنها فعلة بسكون العين ، فتكون مثل نخلة ونخل ، وبقلة وبقل ، فأصلها أموة ، فحذفوا لامها إذ كانت حرف لين ، فلما جمعوها على مثال نخلة ونخل لزمهم أن يقولوا : أمة وأم ، فكرهوا أن يجعلوها حرفين ، وكرهوا أن يردوا الواو المحذوفة لما كانت آخر الاسم ، فقدموا الواو ، وجعلوه ألفا ما بين الألف والميم ، وما زعمه أبو الهيثم ليس بشيء ؛ إذ لو كان على ما زعم لكان الإعراب على الميم كما كان على لام نخل ، ولكنه على الياء المحذوفة التي هي لام ؛ إذ أصله [ ص: 156 ] ألامو ، ثم عمل فيه ما عمل في قولهم : الأدلو ، والأجرو ، جمع : دلو ، وجرو ، وأبدلت الهمزة الثانية ألفا كما أبدلت في " آدم " ؛ ولذلك تقول : جاءت الآمي ، ولو كان على ما زعم أبو الهيثم لكان : جاءت الآم ، برفع الميم . المحيض : مفعل من الحيض ، يصلح للمصدر والمكان والزمان ، تقول : حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ، بنوه على : مفعل ، بكسر العين وفتحها ، وفيما كان على هذا النوع من الفعل الذي هو يائي العين على : فعل يفعل ، فيه ثلاثة مذاهب . أحدها : أنه قياسه مفعل ، بفتح العين في المراد به المصدر ، وبكسرها في المراد به المكان أو الزمان ، فيصير كالمضرب في المصدر ، والمضرب بالكسر ، أي بكسر الراء في الزمان والمكان ، فيكون على هذا المحيض ، إذا أريد به المصدر ، شاذا ، وإذا أريد به الزمان والمكان كان على القياس . المذهب الثاني : أنك مخير بين أن تفتح عينه أو تكسره ، كما جاء في هذا المحيض والمحاض ، وحجة هذا القول أنه كثر في ذلك الوجهان فاقتاسا . المذهب الثالث : القصر على السماع ، فما قالت فيه العرب : مفعل بالكسر ، أو مفعل بالفتح ؛ لا نتعداه ، وهذا هو أولى المذاهب . وأصل الحيض في اللغة السيلان ، يقال : حاض السيل وفاض ، وقال الفراء : حاضت الشجرة إذا سال صمغها ، وقال الأزهري : ومن هذا قيل للحوض حوض ؛ لأن الماء يحيض إليه أي يسيل ، والعرب تدخل الواو على الياء والياء على الواو ، ولأنها من حيز واحد وهو الهواء .

الاعتزال : ضد الاجتماع ، وهو التيؤس من الشيء والتباعد منه ، وتارة يكون بالبدن ، وتارة بالقلب ، وهو افتعال من العزل ، وهو تنجية الشيء من الشيء . أنى : اسم ، ويستعمل شرطا ظرف مكان ، ويأتي ظرف زمان بمعنى " متى " ، واستفهاما بمعنى " كيف " ، وهي مبنية لتضمن معنى حرف الشرط ، وحرف الاستفهام ، وهو في موضع نصب لا يتصرف فيه بغير ذلك البتة .

التالي السابق


الخدمات العلمية