الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 353 ]

الندب لغة : الدعاء إلى الفعل ، وشرعا : ما أثيب فاعله ، ولم يعاقب تاركه مطلقا ، وقيل : مأمور به ، يجوز تركه ، لا إلى بدل . وهو مرادف السنة والمستحب ، وهو مأمور به ، خلافا للكرخي والرازي .

لنا : ما تقدم من قسمة الأمر إلى إيجاب وندب . ومورد القسمة مشترك ، ولأنه طاعة ، وكل طاعة مأمور بها .

التالي السابق


قوله : " الندب لغة " ، أي : في اللغة " الدعاء إلى الفعل " . قال الجوهري : ندبه للأمر ، فانتدب له ، أي : دعاه له ، فأجاب . وأنشد الشيخ أبو محمد شاهدا على ذلك قول الشاعر الحماسي :


لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا

وقال الآمدي : الندب في اللغة ، هو الدعاء إلى أمر مهم ، وهو أخص مما ذكرناه ، وهو أنسب وأشهر في كلام العرب وأغلب ، وعليه يحمل عموم كلام غيره .

والندب في الأصل : مصدر ندبه يندبه ندبا ، والمفعول مندوب ، وهو المراد هاهنا ، لأنه المقابل ، ويقال له : ندب ، إطلاقا للمصدر على المفعول مجازا .

قوله : " وشرعا " أي : والندب في الشرع : " ما أثيب فاعله ولم يعاقب تاركه " .

فالأول جنس يشمل الواجب والندب - أعني المندوب - ، والثاني : وهو قولنا : ولم يعاقب تاركه ، فصل له عن الواجب ، لأن الواجب يعاقب تاركه . [ ص: 354 ]

" وقيل : مأمور به " أي : وقيل في المندوب تعريف آخر ، وهو أنه مأمور به " يجوز تركه لا إلى بدل " فقولنا : مأمور به . جنس يتناوله والواجب ، لأنه قسيمه على ما مر وسيأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى .

وقولنا : يجوز تركه : هو أعم من أن يكون تركه مطلقا ، أو إلى بدل ، فيتناول الواجب الموسع والمخير وفرض الكفاية ، لأن جميعها مأمور به يجوز تركه ، لكن إلى بدل ، كما سبق تحقيقه . فبقولنا : لا إلى بدل ، خرجت هذه الثلاثة ونحوها .

وقال الآمدي : المندوب هو المطلوب فعله شرعا ولا ذم على تركه مطلقا .

وقال القرافي : هو ما رجح فعله على تركه شرعا من غير ذم . والأقوال الثلاثة متقاربة .

قوله : " وهو " يعني المندوب " مرادف السنة ، والمستحب " ، أي : هو مساويهما في الحد والحقيقة ، وإنما اختلفت الألفاظ ، والمترادف هو اللفظ المتعدد لمسمى واحد ، كالأسد والغضنفر ، والمدام والخمر ، والحرام والمحظور ، والمندوب والسنة والمستحب . فالسواك والمبالغة في المضمضة والاستنشاق وتخليل الأصابع ونحوه ، يقال له : مندوب ومستحب .

قوله : " وهو " يعني المندوب " مأمور به خلافا للكرخي " من الحنفية " و " أبي بكر " الرازي . لنا " أي على أن المندوب مأمور به " ما تقدم من قسمة الأمر إلى إيجاب وندب ، ومورد القسمة مشترك " ، وهذا إشارة إلى ما ذكرناه في قسمة الأحكام إلى خمسة ، وهو أن الخطاب إما أن يرد باقتضاء الفعل أو تركه ، واقتضاء الفعل هو طلبه والأمر به ، ثم الأمر إما مع الجزم ، وهو الإيجاب ، أو لا مع الجزم ، وهو الندب .

فقد انقسم الأمر إلى إيجاب وندب . وكل شيء قسم أقساما ، فاسم ذلك الشيء [ ص: 355 ] صادق على كل واحد من تلك الأقسام ، كما إذا قلنا : الحيوان إما ناطق أو غير ناطق كالفرس والشاة والطائر ، فاسم الحيوان صادق على الجميع ، فكل واحد من هذه يسمى حيوانا ، فكذلك الأمر يصدق على الواجب والندب ، فهذا معنى قولنا : مورد القسمة مشترك بين أقسام ذلك المعنى ، فيكون المندوب مأمورا به ، كما أن الواجب كذلك .

قوله : " ولأنه طاعة " إلى آخره ، هذا دليل ثان على أن المندوب طاعة ، ولأنه مثاب عليه ، وكل مثاب عليه طاعة ، فالمندوب طاعة . والمقدمتان ظاهرتان ، وأما أن كل طاعة مأمور بها ، فلقوله تعالى : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول [ النساء : 59 ] ، وقوله عليه السلام بلسان الحال والمقال في غير موضع : أطيعوني ، ولأن الطاعة امتثال الطلب ، وامتثال الطلب مأمور به . فالطاعة مأمور بها .

ويعني امتثال الطلب أن الشارع إذا طلب منا شيئا ، أمرنا بامتثاله ، كقوله : صلوا واستاكو .

وقال الكناني : كون المندوب طاعة لا يدل في الأصح على أنه مأمور به ، إذ ليست الطاعة من خصائص الأمر ، لتناولها السؤال والشفاعة .

قلت : وهو ضعيف ، إذ لا نسلم أن موافقته السؤال والشفاعة طاعة موافقة للأمر فقط .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث