الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

كتاب النكاح عن علقمة قال " كنت أمشي مع عبد الله بمنى فلقيه عثمان فقام معه يحدثه فقال له عثمان : يا أبا عبد الرحمن ألا نزوجك جارية شابة لعلها أن تذكرك ما مضى من زمانك ؟ فقال عبد الله أما لئن قلت ذلك لقد قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء .

[ ص: 2 ]

التالي السابق


[ ص: 2 ] كتاب النكاح

(الحديث الأول)

عن علقمة قال " كنت أمشي مع عبد الله بمنى فلقيه عثمان فقام معه يحدثه فقال له عثمان : يا أبا عبد الرحمن ألا أزوجك جارية شابة لعلها أن تذكرك ما مضى من زمانك ، فقال عبد الله : أما لئن قلت ذلك لقد قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (فيه) فوائد : (الأولى) أخرجه الأئمة الستة خلا الترمذي من هذا الوجه من رواية الأعمش عن إبراهيم عن علقمة . وفي رواية للنسائي ذكر الأسود معه أيضا وقال : إنه غير محفوظ وأخرجه الشيخان والترمذي والنسائي من رواية الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي عن ابن مسعود فكان للأعمش فيه إسنادان وقد كان واسع الرواية وليس هذا اختلافا عليه

ورواه النسائي من رواية أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة قال كنت مع ابن مسعود وهو عند عثمان فقال عثمان : خرج رسول الله [ ص: 3 ] صلى الله عليه وسلم على فتية فقال من كان منكم ذا طول فليتزوج الحديث جعله من مسند عثمان والمعروف أنه من مسند ابن مسعود .

(الثانية) في قول عثمان لابن مسعود رضي الله عنهما لأزوجنك جارية شابة إلى آخره فيه استحباب عرض الصاحب هذا على صاحبه الذي ليست له زوجة بهذه الصفة وهو صالح للتزويج بها وفيه استحباب نكاح الشابة لأنها المحصلة لمقاصد النكاح فإنها ألذ استمتاعا وأطيب نكهة وأرغب في الاستمتاع الذي هو مقصود النكاح وأحسن عشرة وأفكه محادثة وأجمل منظرا وألين ملمسا وأقرب إلى أن يعودها زوجها الأخلاق التي يرتضيها وفي رواية جارية بكرا وهو دليل على استحباب البكر وتفضيلها على الثيب وقد صرح به الفقهاء من أصحابنا وغيرهم .

وقوله ( لعلها أن تذكرك ما مضى من زمانك) معناه تذكر بها ما مضى من نشاطك وقوة شبابك وغلمتك فإن ذلك ينعش البدن وفي رواية أخرى في الصحيح لعلها ترجع إليك ما كنت تعهد من نفسك ، وكان عبد الله رضي الله عنه قد قلت رغبته في النساء إما للاشتغال بالعبادة وإما للسن وإما لمجموعهما فحركه عثمان رضي الله عنه بذلك .

(الثالثة) قوله (يا معشر الشباب) قال أهل اللغة المعشر الطائفة الذين يشملهم وصف فالشباب معشر والشيوخ معشر والأنبياء معشر والنساء معشر وكذا ما أشبهه ، والشباب جمع شاب ويجمع أيضا على شبان بضم الشين وتشديد الباء وآخره نون ، وشبيبة والشاب عند أصحابنا هو من بلغ ولم يجاوز ثلاثين سنة وإنما خص الشباب بالمخاطبة ؛ لأن الغالب قوة الشهوة فيهم بخلاف الشيوخ والكهول لكن المعنى معتبر إذا وجد في حق هؤلاء أيضا .

(الرابعة) في الباءة أربع لغات حكاها القاضي عياض وغيره الفصيحة المشهورة الباءة بالمد والهاء والثانية الباه بلا مد ، والثالثة الباء بالمد بلا هاء والرابعة الباهة بهاءين بلا مد وأصلها في اللغة الجماع مشتقة من المباءة وهو المنزل ومنه مباءة الإبل وهي مواطنها ثم قيل : لعقد النكاح باءة ؛ لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا .

(الخامسة) اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه ، وهي مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع [ ص: 4 ] شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ولا يفكون عنها غالبا ، والقول الثاني أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح سميت باسم ما يلازمها وتقديره من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطعها فليصم ليدفع شهوته والذي حمل القائلين بهذا على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام قال ومن لم يستطع فعليه بالصوم .

والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فلذلك حملنا الباءة على المؤن وأجاب الأولون بما تقدم في القول الأول وهو أن تقديره ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه ، وهو محتاج إلى الجماع فعليه بالصوم ، والله أعلم .



(السادسة) فيه الأمر بالنكاح لمن اشتاقت إليه نفسه واستطاعه بقدرته على مؤنه وهذا مجمع عليه لكنه عند جمهور العلماء من السلف والخلف على طريق الاستحباب دون الإيجاب فلا يلزمه التزوج ولا التسري سواء خاف العنت أم لا ، كذا حكاه النووي عن العلماء كافة ، ثم قال : ولا نعلم أحدا أوجبه إلا داود ومن وافقه من أهل الظاهر ، ورواية عن أحمد فإنهم قالوا : يلزمه إذا خاف العنت أن يتزوج أو يتسرى قالوا : ولم يشترط بعضهم خوف العنت قال أهل الظاهر : إنما يلزمه التزوج فقط ولا يلزمه الوطء ا هـ .

وإنما يلزمه في العمر مرة واحدة وفيه نظر فهذا الذي ذكر أنه رواية عن أحمد هو المشهور من مذهبه وظاهر كلام أصحابه تعين النكاح ، وعنه رواية أخرى بوجوبه مطلقا وإن لم يخف العنت كما حكاه النووي عن بعضهم وعبارة ابن تيمية في المحرر النكاح السابق سنة مقدمة على نفل العبادة إلا أن يخشى الزنا بتركه فيجب وعنه يجب عليه مطلقا . انتهى .

والوجوب عند خوف العنت وجه في مذهب الشافعي حكاه الرافعي عن شرح مختصر الجويني وقال النووي في الروضة هذا الوجه لا يحتم النكاح بل يخير بينه وبين التسري ومعناه ظاهر . انتهى .

وجزم به أبو العباس القرطبي وهو من المالكية بل زاد فحكى الاتفاق عليه فإنه قال : إنا نقول بموجب هذا الحديث في حق الشاب المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزبة بحيث لا يرتفع عنه إلا بالتزويج وهذا لا يختلف في وجوب التزويج عليه . انتهى ونقله الاتفاق على ذلك مردود لكن يقلد في نقل ذهنه في ذلك [ ص: 5 ] وبه يحصل الرد على النووي في كلامه المتقدم .

ولم يقيد ابن حزم ذلك بخوف العنت وعبارته في المحلى : وفرض على كل قادر على الوطء إن وجد أن يتزوج أو يتسرى أن يفعل أحدهما فإن عجز عن ذلك فليكثر من الصوم ثم قال : وهو قول جماعة من السلف ، وقال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة : قسم بعض الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة أعني الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة ، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت وقدر على النكاح إلا أنه لا يتعين واجبا بل إما هو وإما التسري وإن تعذر التسري تعين النكاح حينئذ للوجود لا لأصل الشريعة . انتهى .

وكان هذا التقسيم لبعض المالكية وقد حكاه أبو العباس القرطبي عن بعض علمائهم وقال : إنه واضح ، وقال القاضي أبو سعد الهروي من الشافعية ذهب بعض أصحابنا بالعراق إلى أن النكاح فرض كفاية حتى لو امتنع منه أهل قطر أجبروا عليه ، ثم قال القرطبي : وصرف الجمهور الأمر هنا عن ظاهره لشيئين :

(أحدهما) أن الله تعالى قد خير بين التزويج والتسري بقوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ثم قال أو ما ملكت أيمانكم والتسري ليس بواجب إجماعا فالنكاح لا يكون واجبا ؛ لأن التخيير بين الواجب وغيره يرفع وجوب الواجب وبسط هذا في الأصول ، وسبقه إلى هذا المازري وفيه نظر لما تقدم عن أهل الظاهر وغيرهم من التخيير بينهما فلا يصح ما حكاه من الإجماع ثم قال القرطبي .

(وثانيهما) قوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ولا يقال في الواجب : إن فاعله غير ملوم قال : ثم هذا الحديث لا حجة لهم فيه لوجهين :

(أحدهما) أنا نقول بموجبه في حق الشاب المستطيع الذي يخاف الضرر من العزبة ، ولا يختلف في وجوب التزويج عليه وقد تقدم حكايته عنه ورد نقله الاتفاق ، ثم قال و (الثاني) أنهم قالوا : إنما يجب العقد لا الوطء وظاهر الحديث إنما هو الوطء فإنه لا يحصل شيء من الفوائد التي أرشد إليها في الحديث من تحصين الفرج وغض البصر بالعقد وإنما يحصل بالوطء ، وهو الذي يحصل دفع الشبق إليه بالصوم فما ذهبوا إليه لم يتناوله الحديث وما تناوله الحديث لم يذهبوا إليه .

(قلت) ومن العجيب استدلال الخطابي به على النكاح غير [ ص: 6 ] واجب ؛ لأن ظاهر الأمر الوجوب وبتقدير صرفه عن ذلك بما ذكرناه فلا يكون دليلا على عدم الوجوب فأقل درجاته أن يكون قاصر الدلالة عن الطرفين ، ثم قال القرطبي ولا حجة لهم في قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ؛ لأنه قصد به بيان ما يجوز الجمع بينه من أعداد النساء لا بيان حكم أصل القاعدة ، ولا حجة لهم في قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم فإنه أمر للأولياء بالإنكاح وللأزواج بالنكاح . انتهى .

ولم يقل أحد بوجوبه على النساء وقد صرح بذلك ابن حزم فقال : وليس ذلك فرضا على النساء لقوله تعالى والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا وقال أبو إسحاق الشيرازي صاحب التنبيه : إن النكاح للنساء مستحب عند الحاجة ومكروه عند عدمها وقال الشيخ عماد الدين الزنجاني في شرح الوجيز المسمى بالموجز . لم يتعرض الأصحاب للنساء والذي يغلب على الظن أن النكاح في حقهن أولى مطلقا ؛ لأنهن يحتجن إلى القيام بأمورهن والتستر عن الرجال ولم يتحقق في حقهن الضرر الناشئ من النفقة .

(السابعة) قوله فإنه أغض للبصر أي أشهد غضا له وقوله وأحصن للفرج أي أشد إحصانا له ومنعا عن الوقوع في الفاحشة ، وقال الشيخ تقي الدين يحتمل أمرين :

(أحدهما) أن يكون أفعل فيه مما يستعمل لغير المبالغة .

(والثاني) أن يكون على بابها فإن التقوى سبب لغض البصر وتحصين الفرج وفي معارضتها الشهوة والداعي إلى النكاح وبعد النكاح يضعف هذا المعارض فيكون أغض للبصر وأحصن للفرج مما إذا لم يكن فإن وقوع الفعل مع ضعف الداعي إلى وقوعه أندر من وقوعه مع وجود الداعي .



(الثامنة) قد عرفت أن قوله : ومن لم يستطع أي مؤن النكاح أو نفس النكاح لعجزه عن المؤن أي مع توقانه إليه فهذا لا يؤمر بالنكاح بل يفهم من الحديث أنه يطلب منه تركه لكونه عليه الصلاة والسلام أرشد إلى ما ينافيه ويضعف دواعيه وهو الصوم وقد أجمع أصحابنا بأن من هذه صفته يستحب له ترك النكاح ، وزاد النووي في شرح مسلم فذكر أن النكاح له مكروه وهو أبلغ في طلب الترك ومقتضى كلام الحنابلة استحباب النكاح للتائق من غير اعتبار القدرة على المؤن ، وقد [ ص: 7 ] تقدمت عبارة ابن تيمية في المحرر في ذلك وكان شيخنا الإمام البلقيني رحمه الله يقول : الذي يدل له نص الشافعي رحمه الله أنه إن كان تائقا استحب له وإلا فهو مباح لم يقل بأنه مستحب ولا مكروه وهي طريقة أكثر العراقيين . انتهى .

وقال الغزالي في الإحياء : من اجتمع له فوائد النكاح من النسل والتحصين وغيرهما وانتفت عنه آفاته من تخليط في الكسب وتقصير في حقهن استحب له وعكسه العزلة له أفضل فإن اجتمعا اجتهد وعمل بالراجح .

(التاسعة) مقتضى ما تقرر أن الحديث لم يتناول غير التائق قادرا على المؤن كان أو عاجزا عنها فأما غير التائق فإنه مسكوت عنه في الحديث ويدخل تحته حالتان :

(إحداهما) أن يكون عاجزا عن النكاح لعلة كهرم أو مرض دائم أو تعنين فهذا يكره له النكاح .

(الثانية) أن لا يكون عاجزا وهذه الحالة يدخل تحتها صورتان :

(إحداهما) أن يكون فاقدا لمؤن النكاح فيكره له أيضا .

(الصورة الثانية) أن يقدر على المؤن فلا يكره له النكاح في هذه الصورة لكن التخلي للعبادة أفضل فإن لم يتعبد فالنكاح له أفضل ، هذا هو المشهور من مذهب الشافعي وغيره وذهب أبو حنيفة وبعض الشافعية والمالكية إلى أن النكاح له أفضل مطلقا وأطلق الحنابلة أن غير القادر إما خلقة أو لكبر أو غيره يكون النكاح في حقه مباحا ، وعن أحمد رواية أنه مستحب ، وقد اشتهر عن الشافعية أن النكاح ليس عبادة وعن الحنفية أنه عبادة ، واستثنى الإمامتقي الدين السبكي من الخلاف نكاح النبي صلى الله عليه وسلم قال : فإنه عبادة قطعا قال : ومن فوائده نقل الشريعة المتعلقة بما لا يطلع عليه الرجال ونقل محاسنه الباطنة فإنه مكمل الظاهر والباطن .



(العاشرة) قوله فعليه بالصوم ، قال المازري : فيه إغراء بالغائب ومن أصول النحويين أن لا يغري بغائب وقد جاء شاذا قول بعضهم : عليه رجلا ليسني على جهة الإغراء قال القاضي عياض : هذا الكلام موجود لابن قتيبة والزجاجي ولكن فيه على قائله أغاليط ثلاثة .

(أولها) قوله : لا يجوز الإغراء بالغائب وصوابه إغراء الغائب ، فأما الإغراء بالغائب فجائز ، وهذا نص أبي عبيدة في هذا الحديث وكذا كلام سيبويه ومن بعده من أئمة هذا الشأن و (ثانيها) عند قوله عليه رجلا ليسني من إغراء الغائب وقد جعله سيبويه [ ص: 8 ] والسيرافي منه ورواه شاذا والذي عندي أنه ليس المراد بها حقيقة الإغراء وإن كانت صورته فلم يرد هذا القائل تبليغ هذا الغائب ولا أمره بإلزام غيره ، وإنما أراد الإخبار عن نفسه بقلة مبالاته بالغائب ، وأنه غير متأت له منه ما يريد فجاء بهذه الصورة ، يدل على ذلك ونحوه قولهم إليك عني أي اجعل شغلك بنفسك عني ولم يرد أن يغريه به وإنما مراده دعني وكن كمن شغل عني .

و (ثالثها) عدهم هذه اللفظة في الحديث من إغراء الغائب جملة والكلام كله للحضور الذين خاطبهم بقوله : من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنها هنا ليست للغائب وإنما هي لمن خص من الحاضرين بعدم الاستطاعة إذ لا يصح خطابه بكاف الخطاب لأنه لم يتعين منهم ولإبهامه بلفظة من وإن كان حاضرا وهذا كثير في القرآن كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى إلى قوله فمن عفي له من أخيه شيء وكقوله كتب عليكم الصيام إلى قوله فمن تطوع خيرا فهو خير له وكقوله ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها فهذه الهاءات كلها ضمائر للحاضر لا للغائب ومثله لو قلت لرجلين : من قام الآن منكما فله درهم فهذه الهاء لمن قام من الحاضرين . انتهى كلام القاضي وعد الحديث في هذا المثال من إغراء الغائب باعتبار اللفظ وإنكار القاضي ذلك باعتبار المعنى وأكثر كلام العرب باعتبار اللفظ .



(الحادية عشرة) فيه إرشاد التائق إلى النكاح العاجز عن مؤنه إلى الصوم وذلك لما فيه من كسر الشهوة فإن شهوة النكاح تابعة لشهوة الأكل تقوى بقوتها وتضعف بضعفها وفيه أن الصوم بهذا القصد صحيح يثاب عليه .

(الثانية عشرة) الوجاء بكسر الواو وبالجيم ممدود ، وحكى أبو العباس القرطبي عن بعضهم أنه قال : وجى بفتح الواو والقصر قال : وليس بشيء ؛ لأن ذلك هو الحفاء في ذوات الخف . انتهى .

والوجاء هو رض الخصيتين بحجر ونحوه وأصله الغمز والطعن ومنه وجأه في عنقه ووجأ بطنه بالخنجر ، وقال بعضهم : الوجاء أن توجأ العروق والخصيتان باقيتان بحالهما والخصاء شق الخصيتين واستئصالهما والجب أن تحمى السفرة ثم يستأصل بها الخصيتان وليس المراد هنا حقيقة الوجاء بل سمى الصوم وجاء ؛ لأنه يفعل فعله ويقوم مقامه فالمراد أنه يقطع الشهوة ويدفع شر الجماع كما يفعله الوجاء فهو من مجاز المشابهة المعنوية .



(الثالثة عشرة) [ ص: 9 ] قال الخطابي : فيه جواز التعالج لقطع الباءة بالأدوية ونحوها .

(قلت) لا يلزم من الإرشاد للصوم لكسر الشهوة الإرشاد لاستعمال ما يقطعها فإنه قد تحصل السعة ؛ لأن المال غاد ورائح فيجد شهوته ويتمكن من تحصيل مقاصد النكاح الدينية والدنيوية ، وإذا استعمل ما يقطعها فات ذلك ، وقد قال أصحابنا : إنه لا يكسرها بالكافور ونحوه فما ذكره ليس هو المنقول ولا يصح استنباطه من الحديث ، والله أعلم .

(الرابعة عشرة) قال الخطابي وفيه أن المقصود في النكاح الوطء وأن الخيار في العنة واجب وقال والدي رحمه الله : وما أدري ما وجه الدلالة فيه .

(قلت) قد وطأ له باستدلاله به أولا على أن المقصود في النكاح الوطء أي والعنة مفوتة لمقصوده ومقتضى ذلك تأثيرها فيه لكن تأثير الخيار بخصوصه يحتاج إلى دليل خاص ، وليس في هذا الحديث ما يدل عليه بالتعيين . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث